الباجي السبسي وحمة الهمامي في البرلمان التونسي (2 ديسمبر/2014/أ.ف.ب)

سمير حمدي

عندما تشكلت الجبهة الشعبية في تونس، من ائتلاف واسع لقوى اليسار ذات الخلفية الماركسية أو القومية، كان شعارها المركزي التصدي للخيارات اليمينية، بغض النظر عن الأطراف السياسية التي تتبناها. ولم تخف الجبهة رغبتها في الوصول إلى الحكم، باعتبارها “تشكل بديل حكم حقيقي، وتتجاوز الاستقطاب الثنائي المغشوش الذي يقابل بين قطبين، والحال أنهما يلتقيان في الحفاظ على التوجهات الاقتصادية الليبرالية المرتهنة للدوائر الأجنبية، وإن تغلف أحدهما بغلاف ديني والآخر بغلاف حداثوي”.

وكان المقصود بالقطبين حزب (حركة) نداء تونس وحركة النهضة، غير أن تسارع الأحداث قبل انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2014 سيؤدي إلى تشكل تحالف جديد بين الجبهة ومكوناتها من جهة و”نداء تونس” من جهة أخرى، وقد ظلت الجبهة قبلها تؤكد على رفضها التحالف مع حركة نداء تونس، باعتبارها امتداداً للنظام السابق، وتشكل خدمة لأجندات غير وطنية، إلا أن الممارسة على أرض الواقع ستفضي بالجبهة إلى غير ما كانت تنادي به، لتتخندق في تحالفٍ غير مقدس مع القوى التي كانت تعتبرها جزءاً من منظومة الفساد، فبعد اغتيال القيادي في الجبهة، شكري بلعيد، وحضور “نداء تونس” في اجتماع 7 فبراير/شباط 2013، وتوقيعه على البيان الصادر عن الأحزاب، بخصوص اغتيال بلعيد، بدأت وتيرة التقارب بين الجبهة الشعبية و”نداء تونس” (شكل تحالفاً سماه الاتحاد من أجل تونس)، تتسارع لتجمع بينهما محطات احتجاجية مشتركة، ولتنتقل إلى التنسيق التام، خصوصاً بعد الإعلان (21/ 6 /2013) عن “تشكيل لجنة دائمة للاتّصال والتّنسيق لتدارس سبل توحيد المواقف السّياسية وتنسيق المبادرات العملية وتطوير العمل المشترك بين الجبهة الشعبية والاتّحاد من أجل تونس وضبط دوريّة قارّة لاجتماعاتها”.
وستكون للطرفين أطروحات مشتركة، تتعلق بسقوط شرعية المجلس التأسيسي وضرورة إسقاط حكومة الترويكا، خصوصاً بعد انطلاق الحوار الوطني (16 /5/ 2013). ويبرر القيادي في الجبهة الشعبية، حمة الهمامي، هذا التحالف بقوله “لدى “نداء تونس” تمسك بمكاسب النساء في تونس، ويريد الدولة المدنية، وهذه من نقاط مشتركة. وهذا ما جعلنا نتقارب، هذه المهمات هي التي جعلتنا نتقارب”. ويصل إلى حد التأكيد أن حركة النهضة هي التي تشكل الخطر الحقيقي الذي “أصبح يهدد المكاسب في تونس، لا فقط مكاسب الثورة، إنما أيضاً المكاسب الحضارية والثقافية في تونس”، باعتبار أن “حركة النهضة وحلفاءها لا يمثلون قوى ديمقراطية، ولا قوى ثورية، هم لم يشاركوا أصلاً في هذه الثورة، حتى وإن كانوا معارضين لم يشاركوا في هذه الثورة. فكرياً هي قوى محافظة، سياسياً هي قوى لا تبحث عن إقامة جمهورية ديمقراطية، وإنما يبحثون عن إقامة نظام استبدادي جديد، وفقاً لفكر الإخوان المسلمين..”.
وقد بلغ التحالف مداه بين الجبهة والنداء إلى حد دعوة الجبهة إلى قطع الطريق أمام المرشح المنصف المرزوقي (انتخابات الرئاسة 2014) في إشارة دعم واضحة للباجي قائد السبسي. غير أن الحسابات السياسية للجبهة ذهبت أدراج الرياح، فما أن بدأت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، في يناير/كانون الثاني 2015، حتى وجدت نفسها خارج المشاورات، ووجدت خصمها الإيديولوجي حركة النهضة يشارك في التركيبة الحكومية، وهو موقف شكل صدمة حقيقية لقيادات الجبهة التي أصدرت بياناً عبرت فيه عن رفضها للحكومة الجديدة، باعتبار “أن تكليف السيد الحبيب الصيد يمثل رسالة سلبية أولى للرأي العام، باعتبار أن الرجل ابن المنظومة السابقة في مختلف مراحلها، بما فيها مرحلة بن علي والترويكا. ومن الواضح أن من بين أسباب اختياره ترضية حركة النهضة”.
وجدت الجبهة الشعبية نفسها في ورطةٍ حقيقيةٍ، من حيث عجزها عن تمثل طبيعة الحراك

“الجبهة الشعبية لازالت تراكم عجزها السياسي، وتدفع ثمن تذبذب مواقفها”

السياسي في تونس ما بعد الثورة، وفشلها في التمركز في موقع قريب من السلطة، ولو في شكل ائتلافٍ يستبعد خصومها، حيث إن خيارات السبسي كانت تناقض حسابات قوى اليسار المتحالفة في الجبهة، بل وتهمشها سياسياً. ومع تفجر الأحداث، أخيراً، انطلاقاً من مدينة القصرين في 27 /12 /2014، بدا وكأن الجبهة الشعبية وجدت ضالتها في إعادة إحياء الحراك الاجتماعي وتبنيه، لتحقيق أهدافها السياسية، وهو ما يبدو أنها فشلت فيه أيضاً من جهتين، حيث رفضت القوى الشبابية، من ناحية أن تتبنى الأحزاب مطالبها، أو أن تنحرف بها عن أهدافها الأصلية، بوصفها حركة للمطالبة بحقوق اجتماعية، لتصبح خياراً سياسياً خدمة لأجندات حزبية، الأمر الذي دفع حمة الهمامي إلى نفي “أن تكون الجبهة الشعبية بصدد تأطير التحركات”، مشيراً إلى أنها كانت حاضرة في هذه الاحتجاجات. ومن جهة ثانية، وجدت الجبهة نفسها في مرمى تصريحات رئيس الجمهورية “أن هناك من حاول اختطاف هذه الحركة الاحتجاجية، ببث الرعب والتخريب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وهناك من حاول أيضا توظيفها عبر تبني خطابٍ يتحدث عن “ثورة ثانية”، أو استكمال “المسار الثوري” الذي انطلق في 14 يناير 2011، وهو خطاب سياسي غير واقعي، فالنظام السياسي الحالي ديمقراطي ومنتخب، ولا يمكن إسقاطه إلا عبر صناديق الانتخاب عبر العودة للشعب”. وقال إن “هناك يساراً متطرفاً، وهو أشرس من نظيره الإسلامي، ونحن كذلك نقاومه” وقد دان مجلس أمناء الجبهة هذه التصريحات، وقال “إن تصريحات رئيس الجمهورية تشكل اتهاماً باطلاً وتحريضاً على القوى اليسارية، ومنها الجبهة، حتى يتمكّن الائتلاف الحاكم من التنصل من مسؤوليته في تدهور الأوضاع الاجتماعية في البلاد”.
وجدت الجبهة الشعبية نفسها مرة أخرى في زاوية حادة، من حيث إنها عجزت عن التخندق مع المطالب الشعبية، والتبني الفعلي لمنطق ثوري واضح، يرفع من سقف التحركات الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، عجزت عن التواصل مع السلطة السياسية القائمة التي تتصرف بلامبالاة تجاه تصريحات الجبهة الشعبية. وعلى الرغم من لقاء رئيس الحكومة مع قيادات الجبهة، فإن الأمر لم يخرج عن إطار المشاورات الاعتيادية التي يجريها مع مختلف القوى السياسية والحزبية، الأمر الذي يعني أن الجبهة الشعبية لازالت تراكم عجزها السياسي، وتدفع ثمن تذبذب مواقفها المتراوحة بين التحالفات المستعجلة والصراعات المفتعلة، وهو ما يشي بعدم قدرتها على القراءة الصحيحة للمشهد السياسي ولعبة التوافقات التي يقوم عليها العمل السياسي في تونس ما بعد الثورة، حيث لم يعد محتملاً أن يبني تيار حزبي ما استراتيجيته السياسية على إقصاء أطرافٍ أخرى، مهما كان عمق الخلاف الإيديولوجي معها، وهو ما يبدو أن الجبهة لا تعيه، إلى حد اللحظة على الأقل.