رضوان زيادة

بعد مرور خمس سنوات على الانتفاضة السورية، بات من السهل أن ننسى أناشيد “سلمية .. سلمية” التي تردّد صداها في شوارع سورية، أشهراً عدة عام 2011، قبل أن تخلي الساحة لصوت الانفجارات وإطلاق الرصاص. ولم تتحول الثورة فعلياً إلى صراع مسلح، إلا في يناير/كانون الثاني 2012. إن نسيان تلك التظاهرات السلمية الضخمة التي لم يحمل فيها المحتجون إلا اللافتات وأغصان الزيتون يقودنا إلى فهم خاطئ لمفاوضات جنيف التي من المفترض أن تقود إلى نهاية الصراع في سورية.


الآن، وبعد مرور خمس سنوات، لم تختلف المواقف الدولية من سورية والصراع عليها، فبالنسبة إلى القوى الغربية، بدت الثورة السورية مصدر إزعاج دولي، أكثر من كونها أولوية في السياسة الخارجية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودولاً عدة أخرى واصلت التزامها بإرسال مساعدات إنسانية لدعم أكثر من أربعة ملايين لاجئ سوري مسجل، يعيشون في مخيمات في الأردن وتركيا ولبنان، إلا أن الدول الغربية لم تلتزم بنهج ثابت وحاسم لإنهاء الصراع. أعلن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، منذ أغسطس/آب 2011 أنه “آن الأوان أن يتنحّى الرئيس الأسد جانباً”. وحتى الآن، وبعد أكثر من أربع سنوات ونصف، لا يزال النظام متماسكاً بصورة عامة، وإن كان قد تعرّض لضربات متلاحقة. بقيت إدارة أوباما تعارض بعناد أي إجراء من نوع فرض الحظر الجوي، يمنع القصف اليومي بالبراميل المتفجرة أو إنشاء مناطق آمنة، تكون ملاذاً آمناً للاجئين السوريين.
سورية، بالنسبة إلى المسؤولين الأميركيين، بأقلياتها العرقية ومراكزها السكانية الكثيفة وريفها المحافظ، لا تزال تعتبر في السياسة الخارجية كارثةً إنسانيةً ومستنقعاً عسكرياً من الأفضل تجنبه، مهما كانت الضغوط، ولاسيما في ضوء التجربة المروّعة للولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان. وفي أعقاب هجمات الأسلحة الكيمياوية في الغوطة الشرقية في أغسطس/آب 2013، لاح في الأفق أن الولايات المتحدة باتت على وشك التدخل عسكرياً في سورية. ومع ذلك، كان الأميركيون على استعداد لاغتنام أي فرصةٍ لتفادي مثل هذا التدخل، ووافقوا، في نهاية المطاف، على اتفاق بوساطة روسيةٍ قضى بتسليم سورية أسلحتها الكيميائية.
ما جرى هو العكس تماماً، فروسيا، وبحجة محاربة الإرهاب، تدخلت عسكرياً، وبكل ثقلها في سلاح الجو في قصف مواقع المعارضة، من أجل إتاحة الفرصة لمليشيات الأسد بالتقدم، كما جرى في ريف اللاذقية، واكتفت الولايات المتحدة بموقع المتفرج، كما هو عليه مقعدها في السنوات الخمس الماضية.
إن عودة سورية إلى الحياة الطبيعية مستحيلة في المدى المنظور، ومن سخرية القدر الاعتقاد

“للأسف، تبدو مفاوضات جنيف مسرحيةً، إخراجها مؤلم، ونهايتها ليست معروفة”

أن مفاوضات سياسية سوف تقود إلى نزع صلاحيات الأسد السياسية والأمنية، فالأسد الذي فعل بسورية، اليوم، ما لم يفعله أي محتل أو غاز أجنبي من قبل لا يحتاج إلى مفاوضات سياسية كي يقوم بتسليم السلطة.
يقوم مبدأ حل النزاعات، في تعريفه البسيط والأولي، على تحديد الأطراف الرئيسية في الصراع في البداية، ومن ثم إيجاد آلية للحوار أو التفاوض أو حل دائم بين هذه الأطراف؟ هذا المبدأ هو الذي تقوم عليه فكرة حل النزاعات عبر العالم، وكما تطورت في النزاعات الدولية وغير الدولية. طبعاً هناك طرائق مختلفة للتفاوض وللحل السياسي، لكنها كلها لا تخرج عن المبدأ الرئيسي، وهو ضرورة إشراك الفاعلين الرئيسيين في الصراع، في عملية الحل، ومن دون استثناء.
لماذا هذا المبدأ الرئيسي لم يحترم في مفاوضات جنيف 3 التي من شأنها أن تقود إلى الحل السياسي في سورية. في الحقيقة، الإجابة البسيطة أن الأطراف الرئيسية في الصراع، وهنا نتحدّث عن الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية، كون الصراع في سورية وعليها تحول إلى صراع محلي – إقليمي – دولي، والأطراف الدولية الأكثر تأثيراً في القضية السورية اليوم، وهما روسيا والولايات المتحدة، لديهم مصالح متضاربة في حل القضية السورية. فبالنسبة لروسيا، لا يعني استئناف مفاوضات جنيف سوى تغطية على تدخلها العسكري المباشر في سورية لصالح نظام الأسد، وجرائمها المستمرة بحق المدنيين في مناطق سورية المتفرقة، فهي لديها الحجة الآن بالقول إنها تدعم العملية السياسية في سورية. أما بالنسبة للولايات المتحدة فتضع القضاء على داعش أولويتها، وهي تدرك أن تحقيق ذلك بدون حل قضية الانتقال السياسي في سورية مستحيل، فإنها تريد القول، ولو مراوغة، إنها لا تهمل أزمة السوريين ومعاناتهم بتركيزها على داعش، وإنما تدعم حلاً سياسياً في سورية.
لكل من الولايات المتحدة وروسيا إذاً مبرراتها الخاصة في دعم مفاوضات جنيف، على الرغم من أنهما يعرفان أن العملية لن تقود إلى أي شيء حقيقي، في النهاية، لكنهما ليسا على استعداد على اتخاذ خيارات أخرى، أو بالأحرى أصبحت خيارات الولايات المتحدة محدودةً في ظل التدخل العسكري الروسي.
سيستغل نظام الأسد حضوره في جنيف منبراً إعلامياً لاتهام المعارضة بالإرهاب، كما اعتاد ذلك، منذ اليوم الأول للثورة، وسيحاول التملص من كل الاستحقاقات الدولية والالتزامات، خصوصاً المنصوص عليها في اتفاق جنيف الأول وقرارات مجلس الأمن، فيما يتعلق بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وخصوصاً النساء والأطفال والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة.
خبرت الولايات المتحدة نظام الأسد، وأصبحت تعرفه جيداً، لكنها لا تنوي تغيير طريقة تعاملها معه طبعاً. وذلك كله على حساب الشعب السوري الذي سيعيش مع عام جديد من الألم، بانتظار تغيير الإدارة الأميركية في واشنطن، وقدوم إدارة جديدة تضع من أولوياتها حل الأزمة السورية، حتى ولو تطلب الأمر استخدام القوة ضد نظام الأسد.
للأسف، تبدو مفاوضات جنيف مسرحيةً، إخراجها مؤلم، ونهايتها ليست معروفة، ومشاهدوها كثيرون، لكن ممثلوها يلعبون أدوارهم بدمائهم.