سلامة كيلة

بدأت المباحثات حول سورية مساء 29/1، وقرّر وفد المعارضة المفاوض المشاركة في “اللحظة الأخيرة”، بعد أن حصل على “تعهدات” من أميركا، ومن مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، تعلقت بتأكيده على تطبيق المسائل الأولية التي وردت في قرار مجلس الأمن رقم 2254، والتي تتعلق بوقف قصف المدنيين واستخدام البراميل المتفجرة، ووقف حصار المدن، وإطلاق سراح النساء والأطفال المعتقلين. بمعنى أن الوفد ظل متمسكاً بأن تتحقق هذه البنود من القرار الأممي، قبل بدء المباحثات، كونها “فوق تفاوضية”، كما ينص القرار، وملزمة بصفتها هذه.


هل سيتحقق ذلك قبل بدء المباحثات؟ وهل سيستمر وفد المعارضة فيما إذا لم يتحقق؟ هذه مشكلة أولى يمكن أن تستغرق أسابيع، وربما أكثر قبل أن تتحقق، أو ربما لن تتحقق. وبذلك، تُلاحظ المباحثات من زاويتين، تتعلقان بالموقف الروسي وبالوفد المرسل من النظام، وما يمكن أن يطرحه، أو يقبل به، وهو الممثل لنظام يرفض مبادئ جنيف1، التي من المفترض أنها أساس المفاوضات، على الرغم من السعي الروسي إلى تهميشها، من خلال بياني فيينا 1 وفيينا 2، وحتى في قرار مجلس الأمن نفسه.
لهذا، يبدو أن مصير المفاوضات متوقف على ما يريده الروس منها، وحدود دور النظام الذي بات خاضعاً لسيطرة روسية كذلك. فهل يريد الروس إنجاح المفاوضات، أو أنهم يعتبرونها “تضييعاً” للوقت من أجل تحقيق تغيير جوهري على الأرض، يفرض ما يقرّرونه هم، بغض النظر عن موقف المعارضة، وموقف “الدول الداعمة” لها؟ الجواب على هذا الأمر يفضي حتماً إلى الإجابة عن المسألة الأخرى التي تتعلق بالنظام.
فروسيا تعمل على صياغة المفاوضات السورية، حيث إنها تحاول فرض “معارضة” تستنسبها لمحاورة النظام هي، في الواقع، ليست معارضة، لأنها تتشكل من قوى لم تكن مع الثورة، وظلت على علاقة مع النظام، مثل جبهة التحرير والتغيير التي شارك زعيمها في الحكومة بعد الثورة بعام تقريباً، وخرج منها لكي يُصنَّع كمعارضة، ومثل حزب الاتحاد الديمقراطي الذي ظل على علاقةٍ مع النظام، وتسلّم المناطق في الجزيرة السورية منه، وكل همه هو السيطرة على المنطقة، وفرض سلطة “كردية” عليها، وآخرون يريدون أدواراً أو موهومون. كما أن روسيا تأتي بالنظام نفسه الذي يرفض الحل أصلاً، ويركّز كل نقاشه على “الحرب على الإرهاب”، باعتبار أن هذا هو الهدف الأساس من المفاوضات، على أن يفسح لمشاركة المعارضة في حكومةٍ موسعة. وهي الصيغة التي توافق روسيا عليها، وتعمل على فرضها كما يبدو.
تتمثل المشكلة في أن جنيف يُعقد بناءً على القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن، القرار

“تقوم القوات الروسية التي تقصف وتقاتل على الأرض بمحاولة سحق الثورة، مع تلهي العالم بالمفاوضات”

الذي أكد على “الوقف الفوري” للقصف بالبراميل المتفجرة وقصف المدنيين، ورفض حصار المدن وفك الحصار عنها. وهو القرار الذي وافقت روسيا عليه، وقال النظام إنه وافق عليه كذلك. لكن، حين تجري المطالبة بالتقيّد بذلك، قبل بدء المفاوضات يُعتبر ذلك “شروطاً مسبقة”، على الرغم من أنها قرار أممي يُفترض أن الموقعين عليه يلتزمون به على الأقل. لكن روسيا لا تلتزم بذلك، وبالتالي، ما أهمية مفاوضاتٍ لا يجري الالتزام بأساساتها، أي بالمطالبة بالوقف الفوري لقتل المدنيين وحصارهم. فهي مستمرة في القصف والقتل، وبتغيير ميزان القوى على الأرض، عبر كسب مناطق كانت خارج سيطرة النظام، وتسيطر عليها كتائب مسلحة.
أن تجري المفاوضات في ظل استمرار القصف والقتل والحصار والاعتقال هو السياسة التي تتبعها روسيا، وهو ما يعني أنها لا تريد مفاوضات جادة، ولا تسعى إلى تحقيق حل سياسي، فمن يرد الوصول إلى حل يقم بخطوات “ثقة”، خصوصاً أنها واردة في قرار أممي وافقت عليه. لهذا، يمكن القول إن روسيا تريد التفاوض “تحت القصف” لكي تحقق منظورها الذي يقوم على بقاء النظام بما فيه بشار الأسد، ودمج بعض أطراف المعارضة في النظام ضمن “حكومة وحدة وطنية”، وتكريس وجودها العسكري ومصالحها الاقتصادية والإستراتيجية التي ستنطلق منها، لمحاولة الهيمنة على “الشرق الأوسط”.
هنا، ليس من معنى للمفاوضات، لأنها غطاء على سياسات فعلية تريد الحسم العسكري. وربما تكون مدخلاً لصنع “معارضة” تصبح هي المفاوض مقابل النظام القائم، وتقبل الصيغة المطروحة. وهذا يعتمد على الوضع على الأرض، أي على تغيير ميزان القوى العسكري، عبر القضم المستمر لمواقع قوى الثورة.
وإذا كانت روسيا تعمل على تصنيع معارضة، وتهميش المعارضة القائمة، والتي باتت تشارك معها كتائب مسلحة، بعضها أصولي، فإن ما جاءت به روسيا هو وفد بشار الأسد، الوفد الذي يمثل المجموعة المسيطرة على النظام، والتي قررت، منذ البدء، “خوض الصراع إلى النهاية”، وترفض أي حل وسط، بل تتمسك بإخضاع الشعب، حتى وإنْ أدى ذلك إلى قتله وتدمير البلد. وهو يعلن رفض الحل السياسي، ولا يعترف بمبادئ جنيف1، ولا بالمعارضة سوى من يقبل أن يشارك في “حكومة وحدة وطنية”.
مشاركة هذا الوفد تعني أن لا طائل من المفاوضات، وأنها عبثية، لأن وفد النظام سوف يعود كما فعل في مؤتمر جنيف2 إلى التركيز على أولوية محاربة الإرهاب، والالتحاق بالنظام لتحقيق ذلك. وبالتالي، سوف تكون المفاوضات “مضيعة للوقت”، بلا نتيجة سوى تمرير الزمن، بينما تقوم القوات الروسية التي تقصف وباتت تقاتل على الأرض بمحاولة سحق الثورة، في ظل تلهي العالم بالمفاوضات، العالم الذي لا يعارض قتل الشعب ولا تدمير البلد، وليس معنياً بمصير الأسد. والعالم هنا يشمل “أصدقاء سورية” أيضاً.
ما يمكن أن يوحي بأن الحل بات ممكناً يتمثل في مسألتين. تتعلق الأولى بوقف القصف والقتل والتدمير والحصار وإطلاق سراح كل المعتقلين، وبالتالي، بدء المفاوضات في “جو مريح”، يعطي الأمل بأن روسيا عازمة على القبول بحل وسط. والثانية الإتيان بوفدٍ يمثل طرفاً في النظام يريد الحل السياسي، ويوافق على مبادئ جنيف1، ويعرف أن بشار الأسد ومجموعته باتا من الماضي. حينها، يمكن توقع نجاح الحل السياسي، وقبول طرفي “الصراع” بحل وسط. فالثورة قبلت بتغيير فئة من النظام، وليس إسقاطه، والنظام قبل مشاركة المعارضة في بناء دولة جديدة، على أسس جديدة، تبدأ بإعادة بناء الأجهزة الأمنية والجيش والقضاء، وصياغة دستور جديد مقدمة لانتخابات حرة.
ما زال الروس لا يريدون الحل الوسط، وهم يعتقدون أنهم قادرون على حسم الصراع وإبقاء النظام، كما راهنت إيران وأدواتها. لكن، لن يكون مصير روسيا مختلفاً، على الرغم من أنها تعتقد أنها قوة عظمى، وتريد وراثة أميركا في السيطرة على “الشرق الأوسط”. ربما سيتحدد مصيرها في سورية لتفشل في تحقيق ذلك.