أحمد سليمان (مصر)

(الذين يصنعون أنصاف الثورات لا يفعلون شيئاً سوى حفر قبورهم)، (أنصاف الثورات مقابر الثوار والشعوب). هل كان الفرنسيون يصفون ما سيحدث مستقبلاً لثوار وثورة يناير المصرية؟


سالت الأقلام بعد تنحي حسني مبارك في التحذير من النموذج الروماني في الثورات، حين يعود النظام القديم في أول انتخابات بعد الثورة، ومن النموذج التركي -ما قبل أردوغان- في الانقلابات العسكرية على التجارب الديمقراطية. بالطبع، حينها كان أردوغان في الإعلام المصري النموذج المثالي، وكان بعضهم يلقبون مرشح الرئاسة أحمد شفيق أحياناً وعبد المنعم أبو الفتوح أحياناً بأردوغان مصر القادم.
في أيام البراءة والسذاجة السياسية، كنا نردد مقولات قادة دول العالم عن إعجابهم بنموذج الثورة المصرية المبهر، قبل أن نصبح مسخرة العالم في تضييع الثورات، وتسليمها لقمة سائغة لمن ثرنا عليهم. فلماذا وقع المصريون حرفياً فيما تم تحذيرهم منه؟ نكتشف مجدداً أن العرب فعلاً لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون.
في الستينيات، زار صحفي هندي شهير (كارانجيا) إسرائيل، وأجرى حديثاً مطولاً مع موشيه دايان وزير الدفاع آنذاك، شرح دايان للصحافي أن إسرائيل ستدمر الطائرات العربية في مرابضها بضربة سريعة، ثم تصبح السماء ملكا لها، وتحسم الحرب لصالحها، وحينها تساءل كارانجيا باستغراب: كيف تكشفون خططكم بهذه الطريقة؟ فرد عليه ديان ببرود: لا عليك، فالعرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يطبقون. نشر الكاتب الهندي كارانجيا هذه التفاصيل في كتابه “خنجر إسرائيل” الذي نشره قبل حرب يونيو/حزيران 1967، وعندما وقعت الحرب طبق الجيش الإسرائيلي كل تصورات دايان بحذافيرها.
في الذكرى الخامسة لانتفاضة يناير 2011، يعيش كل من شارك فيها، أو أحبها، أو حلم بمستقبل أفضل لبلده معها، في مشاعر ساحقة من الحزن والإحباط والصدمة، وربما اليأس، فلم نكن نتمنى أبداً، فضلاً عن أن نتوقع، أن يكون حال مصر هكذا بعد خمسة أعوام: المؤسسة العسكرية في الحكم مرة أخرى بنظام ديكتاتوري فاشي لا يقبل الرأي الآخر الذي لا يسبح بحمده، آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، ضياع الحريات والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، قبضة أمنية حديدية في كل مكان، ممارسة سياسة أشبه بمسرحيةٍ هزليةٍ تشرف عليها المخابرات والأمن الوطني، اقتصاد منهار يحيا على القروض والمساعدات، ونظام يخدع شعبه بالمشروعات الوهمية الفاشلة، ارتفاع جنوني في الأسعار، زيادة الفقراء، أمن ضائع، عمليات عسكرية انتقامية يومية ضد الجيش والشرطة في سيناء، غياب أي رؤية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، مجتمع منشق طولياً، استشراء الفساد، سياسة خارجية بعيدة عن أي هوية عربية أو سياسية، حصار غزة، تهجير أهالي رفح، ولاء كامل للمصالح الإسرائيلية…هل من أجل هذا قامت ثورة يناير وسقط الشهداء؟
لا يبدو، على المدى المنظور، أفق لحل سياسي متاح، فقد ماتت السياسة في مصر، وصار مستحيلاً تغيير النظام بالانتخابات، بل إن حتى معارضته السلمية وتوعية الناس بخطورة الوضع لا يوجد منافذ عملية متاحة له، وصارت أموراً تستوجب التخوين والملاحقة الأمنية. والثورة الشعبية عليه غير متاحة على المدى القريب، ليس بسبب القبضة الأمنية العاتية التي تمنع التظاهر، ولا تتورّع عن قتل المتظاهرين عياناً بياناً. لكن، بسبب غياب الحاضنة الشعبية التي تقف مع النخبة الساخطة، إما خوفاً أو تغييباً إعلامياً أو إيثاراً للاستقرار بأي وسيلة، فأي قمع سلطوي لا يصمد أمام موجات هادرة من مئات آلاف البشر، وفي النموذج الثوري الإيراني، على الرغم من اختلافنا مع إيران، كان نظام الشاه يقتل في اليوم عشرة آلاف متظاهر في الشوارع، لكن موجات البشر الهادرة لم تتوقف حتى انهار النظام، ويزعم الدستور الإيراني أن عدد القتلى وصل إلى 70 ألف قتيلاً. لكن الحالة المصرية (والتركيبة المصرية) الآن أبعد ما تكون عن هذا الوعي وهذه التضحيات.
أين المخرج؟ هل هو سخط شعبي متراكم عبر فترة قصيرة أو طويلة يوفر حاضنة شعبية لثورة أخرى؟ هل هو انقلاب داخلي آخر، علماً أن الدبابات لا تدعو إلى ديمقراطية، وأن العسكر لا يؤمنون بالحريات؟ هل هي كرامة إلهية تغير مجرى الأمور بما لا يتوقع أحد؟
قل ما شئت في أسباب ضياع ثورة يناير وفقدان مصر فرصة تاريخية ثمينة، لا تتكرر بسهولة في الجيل الواحد، ومهما قيل في مؤامرات الثورة المضادة ونجاحها، تبقى حقيقة أن المصريين عجزوا عن الحفاظ على ثورتهم. أما المحبطون واليائسون (وما أبرئ نفسي) فنقول لهم ما قالته عائشة أم آخر ملوك الأندلس أبو عبد الله لابنها الذي وقف يبكي في وديان غرناطة، بعد أن سلم آخر مدن الأندلس غرناطة للصليبيين، فقالت له موبخةً: ابكِ كالنساء على مُلكٍ لم تحافظ عليه كالرجال.