كرم محمد السكافي (لبنان)

حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، فالثانية مبسوطة ممدودة إلى غير نهاية، بينما الأولى محدودة معدودة، ولن يكفيها إن هي تجملت بالحرف وبديع الإشارات وبالعقد وفن الحساب والجمال في وصف الحال. سيد الخطابة بليغاً يعرف الفصل من الوصل ويحسن اختيار الكلمات، يبرع في انتقاء الصفات والإكثار من الأمثال، يستند في ما يتفوه بالمعرفة القائلة إن الريح كفيلة بأن تلقح الثمار، والبرد متكفل بأن يعقده والشمس و القمر بأنوارهما يلوناه ليستوي بعد ذلك بالحر.


أما وقد تم اسكتمال الاستعراض السياسي حول الملف الرئاسي في لبنان، واكتملت الإطلالات والعراضات، عاد الشعب أو ما تبقى منه من البعيدين عن الاصطفافات إلى البدايات، ويقيناً، ذهبت هباء كل مساعي الحل التي حاول بعضهم واهماً أن يواجه بها أصحاب العقد، فقهرته حقيقة، وفيها أن أولئك وهؤلاء لا يتفقان، فهؤلاء لا يشتهوا السكوت وأولئك لا يشتهوا السماع.
فقدت القيادات والزعامات اللبنانية شرعيتها الأخلاقية في نظر من تبقى حراً من اللبنانيين، بعد أن استكمل المستعرضين بـ “سينيكية” مواقفهم، فكان أن أظهروا بكلامهم ما ليس في باطنهم برباطة جأش وسكون جوارح، أحسنوا اختيار الألفاظ، فأسمعوا العامة غير ما تعهدوا به للأسياد، فكانت بسيطة مفرداتهم كي لا ينتقدهم عليه العلماء الفصحاء.
استبدل الكل من دون استثناء محاولات استعادة الدولة بالسعي وراء التكتيكات، كلامهم عي وفعلهم حصر، ينقصهم عقل يجملهم، ومروءة تسترهم ووطنية تعينهم، فصدق القول أنه عجز، وهيهات لو بقي هذا العجز صمت.
اهتم الكل بالفتنة والحرب والاصطفاف والتحيز وحشد الطاقة لهذا المشروع أو ذاك، من دون الإهتمام بالبشر في وطنٍ لامست المجاعة الفكرية والنكبة الإقتصادية والعدمية الثقافية حداً باتت معه التضحية بالناس لصالح الحرب مجازة ومباحة، وأن الصناعة والزراعة والتجارة عندهم حاجة لتوليد الطاقة المحتاجة إليها آلة الحرب خاصتهم.
إنه القميص الذي لا تنتهي فصوله، فما بالك ولكل قميصه، فرقة لم ير تاريخ لبنان من قبل مثلها، والكل زوراً يدعي أن قلوبهم معه والحق أن سلاحهم عليه، لقد خشي هؤلاء إن تنازلوا أن يخسروا كل الإمتيازات والتقديمات التي بها زماناً طويلاً انتفعوا.
“بوهيمية” غير مألوفة تجعل الناس تحتار بين من كلامه هرطقةً وموعظته إيماناً، يستبد بهم الصراخ عله يخفف الآلام أو هم يكثروا من السعال ليجف الخوف وتتباطأ سرعة الخفقان، تراهم يغلقون عين ويفتحون عين علهم يروا المقبل قبل المباشرة بالدخول في الظلام.
كل شيء حاصل بالاتفاق، إنها الأجزاء وكيف تتفق، وما هو موجود يحتاج إلى عناية، وله مدبر ومنظم، فلا عجب إذا عثر قط على فأر فافترسه، ولا عنكبوت إن افترس ذبابة، فما حصل بعد المبادرة متوقع، ذلك أن صاحبه أطعم الطعام لمن لا يشتهيه.