دائمًا ما يجذبني الأشخاص واسعو العطاء، الذين يمنحون بلا حساب، ويُعطون بلا مقابل، ولا ينتظرون مقابلاً لِما يفعلون، هؤلاء قليلون في دنيانا، قد لا نشعر بهم وقد نظنهم حمقي ومغفلين أو طيبين، حيث أصبحت (الطِيبة) في مجتمعنا – وخصوصًا المصري- مرادفـًا للسذاجة والغفلة، لمجرد أن هذا الإنسان لا يريد من أحد جزاءً ولا شكورًا.

لو كان باستطاعتي أن أُغير اسم رواية (ذكريات محرمة) للكاتبة والروائية (نور عبد المجيد) لأسميتها (جبر)، فجبر من هذا النوع النادر في زماننا، يُحب دون انتظار للمقابل، يتحمل كل من حوله، شيال هموم بمصطلحنا المصري، يرعي والدته المُعاقة (عواطف) و(توحيدة) المريضة المُقعدة جارتهم وصديقة أمه، وأحلام ابنة توحيدة حبة القلب، التي رباها منذ كانت صغيرة رعاها وحرم نفسه من أجلها، ولما كبرت وأينعت أحبها وشغف قلبه بها، ينتظر منها كلمة واحدة، لكنه لا يطلبها بسيف حيائها، يخاف أن يطلب منها الزواج فتقبله زوجًا ليس حبًا له وإنما لجميلهِ عليها وعلى والدتها.

أما أحلام الفتاة الصغيرة التي لم تكمل تعليمها الجامعي لضيق ذات اليد وحتى لا تُثقل على جبر، فيكفيه ما يتحمل من مصاريف أمه وعلاج أمها، اضطرت لأن تعمل ممرضة عند الدكتور ياسين، هذا الطبيب الشاب ذو المال والحسب والجمال، ابن الدكتور عاصم والسيدة ناهد بنت السفير، ياسين مع كل هذا كأبيه متواضع رحيم يعرف قيمة مهنته وجمالها، فهي ليست لغرف المال، بل هي لتسكين آلام المرضي والتخفيف عنهم، فالطب قطعة من الرحمة.

نظرات جبر العاشق الصامت لأحلام تقتلها وتسحق قلبها، هو يستحق كل شيء، يستحق قلبها وعقلها وجسدها، شاب ليس له مثيل، يرعاها ولا ينتظر مقابلاً، عاملها كابنته ولما كبرت يرجو أن تكون زوجة له، ولما صارحها وأحس بانزعاجها لم يتردد معلنـًا أنه يستطيع أن يسحب كلمة الحبيبة والزوجة، لتبقى وتظل الابنة التي يتمنى أن تكمل تعليمها وتتزوج ليحمل بيده أبناءها وأحفاده، تقتلها نظراته لأنها تعلم أنه يستحق كل شيء، لكن قلبها ليس له، قلبها للدكتور ياسين بل أصبح جسدها ملكـًا له.

قلبها لا يطاوعها ولا تملك السيطرة عليه، هو غارق في حب ياسين، تتنفس حبه مع أنفاسها، ومنذ متى نتحكم في قلوبنا، القلوب عصية علي التطويع، أحيانـًا لا نستطيع التحكم فيها، يفلت زمامها منّا، لتحب من تشاء والذي قد يكون في حبه الندم والألم، قد يكون في حبه الشقاء الذي لا ينتهي إلا بالموت.

تتشابك خيوط الرواية بعد ذلك وتبدأ في التداخل والامتزاج، فالدكتور ياسين يعد أحلام بالزواج لكن القدر يكون أسبق، تقع له حادثة فيفقد الذاكرة وينسي أحلام ووعده لها، أم الدكتور السيدة ناهد بنت السفير انتقامًا من أحلام ونكاية فيها تكاد أن تزج بها في السجن ولا ينقذها منه إلا جبر جابر الخواطر والكسور، ويتزوج أحلام بعدها وتبدأ الحياة تضحك لأحلام وجبر قليلاً، ولكن الأقدار لها أحكام، والخطأ الذي يقع فيه الإنسان ولا يصارح فيه من يطاله هذا الخطأ لا يمر دون أن يمسسك منه شرر من حيث لا تدري.

تقول الكاتبة: (هناك بشر سهل أن تتنبأ بوقع خطواتهم علي درب الحياة، بينما هناك آخرون قدرهم أن تتغير أقدارهم ليشهدوا حياة ما مرت بذهنهم يومًا صُوَرُها وإن كانوا من المجانين أو الرواة)، خطأ أحلام أنها لم تصارح جبر بحقيقة علاقتها بالدكتور ياسين، ظنت أن الزمن والقدر سينسيها ويمسح عنها ما حدث، لتعيش حياة جديدة ومن البداية مع شخص يعيش هو بداية حقيقية وحياة جديدة، لكنها لأحلام ليست البداية وليست جديدة.

لن أحرق عليك الرواية، أقص عليك أولها وأترك لك عقدتها وأحداثها المشوقة والغامضة لتتخيلها، وينسج عقلك وقلبك خيوط حكايتها، أحرضك لتقرأ الرواية، وأن تقرأ بعقل الباحث عن الحياة وحكاياتها وعِبرها، لا بعقل الباحث عن قصة يتسلى بها ويقضي بها فراغ وقته.

سأقتنص لك منها مقطتفات أظنها تمثل دروسًا وعِبرًا من الحياة، الحياة التي كنا ونظل وسنظل حيارى معها ومع تصاريفها وأقدارها وأوجاعها وآمالها، الحياة التي كل ثانية فيها درس جديد وموعظة أكبر، وكما يقولون الحياة كتاب مفتوح يتعلم منه البشر، يتعثرون هنا ويسقطون هناك ويقومون هنا ويبنون هناك، ثم تأتي خاتمتها لتبدأ رحلة جديدة هي رحلة الحساب على ما بين دفتي كتاب حياتنا.

أنت نفسك:                      

تقول الكاتبة: (لا أحد مثل أحد ولا يجب أن يكون، كل إنسان هو نفسه، هو ما أراد له الله أن يكون وما أراد لنفسه أن يكون)، دعوة لأن يضع كل إنسان نفسه في موضعه ومكانه فكلٌ ميُسر لما خلق له، ودعوة لكل إنسان ألا يضع أحبابه وأصحابه في مواضع غير مواضعهم ولا يقارنهم بغيرهم ولا يطلب منهم أن يكونوا كغيرهم، فالإنسان هو نفسه لا نفس غيره، ولكن ليس هذا مدعاة للوقوف في الزاوية وعدم الانتقال للأمام، ولكن الانتقال يكون لأن الإنسان نفسه هو الذي يريد أن يتقدم للإمام بإرادته، وليس تحت قهر المقارنة والمنافسة والمضاهاة.

انفض فُتات ذكرياتك:

تقول الكاتبة: (هناك أشياء إن ضاعت يجب أن نُلقي خلفها بكل ما له بها صلة، وإلا بقيت هي ونضيع نحن بعدها، لا يجب أبدًا أن نحتفظ بالفتات والبقايا إن نحن انتهينا من تناول طعام أحببناه، البقايا لا تُسمن ولا تُغني من جوع، بل إن احتفظنا بها قد تصبح في لحظة سُمًا قاتلاً لا يُبقي ولا يذر!)، احتفظت أحلام بشريحة تليفون محمول فكادت أن تقتل حب جبر لها، بل أوصلتها إلي الموت كمدًا وحُزنًا، هناك ذكريات مادية ومعنوية الاحتفاظ بها فيه سم قاتل، الحل معها هي أن نتخلي عنها نتركها ولا نُبقي منها شئيًا، نتخلص من صورة، من ورقة، من كلمة، من موقف في الأذهان، من رسالة على التليفون المحمول، أو محادثة على وسائل التواصل الاجتماعي، بقايا الذكريات أحيانـًا لا تورث إلا الأحزان وتكون عَقبة في طريق الآمال.

الحياة رحيل دائم:

تقول الكاتبة: (كل شيء يذهب يأتي سواه..

كل زهرة تموت تنبت زهرة سواها فقط إن لم نفقد الأمل وبقينا مع الأرض على عهدنا!

كل شيء نظنه لا يُعوض ونموت حفاظـًا على بعض من بقاياه تأتي الأيام بأشياء أخرى تمحوه أو تكاد..)، هكذا الدنيا تأتي وتذهب، تمنع وتمنح، تأخذ وتعطي، ونظل فيها نبادلها الشد والجذب ما دُمنا نملك الأمل ونعيش به، فإذا فقدناه وافتقدناه صارت الحياة بلا طعم ولا لون، صارت هباء والخلاص منها أصبح الشغل الشاغل، الحياة كبيرة فلا تضيعها في ذكريات ذهبت وانتهت ولن ترجع، تجاوز ذكرياتك وسيأتي يوم تتأكد فيه أن ما كاد يقتلك يومًا ما هناك غيره يُحييك دهرًا ما.

الرواية بها كثير من دروس الحياة التي يُستفاد منها، تنقل لك جانبًا تخيليًا من حياة بعض البشر قد نمر به أو ببعض منه، الرواية حياة كاملة أو جزء من حياة، اقرأ أية رواية بعقلية الباحث المُنقب عن قِيَمِها ودروسها ومشاعرها وإنسانيتها لا بعقلية التسالي وقتل وقت الفراغ، وأختم مقالي بما ختمت به الكاتبة الرواية: (هناك روائح تقتل وروائح تحيا ونحيا معها..

هناك بقايا بالصبر نغزلها بدايات وقصصًا من عطر..

لا أحد يعلم ولا أحد يختار!!

لا أحد أبدًا يختار!!)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست