وكأن سيطرة صناع السلطة وخدمتها من المكارثيين على الفضاء العام فى مصر ليست كافية لاغتيال العقل وامتهان الحقيقة وتزييف الوعى، فيتكالب على نقاشاتنا صنوف من خدمة «السلطة البديلة فى الانتظار» ممن يمتهنون الصراخ أداة وحيدة للفت الأنظار.


هؤلاء، وهم يرفعون زيفا رايات الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات ويدعون التزامهم بمبادئ الديمقراطية دون انتقاص أو تسويف، لا قبل لهم بالاشتباك الرشيد مع أفكار غير أفكارهم وتنتفى قدرتهم على طرح أفكار جادة ومتماسكة لإخراج الأوطان من أزماتها. هؤلاء، شأنهم شأن مكارثيى السلطة الحاكمة، يتورطون فى إلغاء المختلفين معهم من خلال التشكيك فى مصداقيتهم الشخصية عوضا عن مقارعة الأفكار بالأفكار. ولا يقل رداءة عن ذلك، ادعاء خدمة السلطة البديلة فى الانتظار رسوخهم على قمم الفعل الأخلاقى والإنسانى وكونهم ضمائر خالصة تنشد العدل والحق دون مساومة، بينما هم غارقون فى المعايير المزدوجة التى تزين لهم ارتكاب جريمة التمييز بين المظالم والانتهاكات المتطابقة وفقا للأهواء والمصالح.


منذ بضعة أيام، سجلت مع أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد مايكل ماكفول (وهو عمل بين ٢٠٠٨ و٢٠١٢ فى مجلس الأمن القومى التابع لإدارة الرئيس الأمريكى أوباما) مجموعة من الأفكار عن كيفية وقف الانتهاكات الكارثية لحقوق الإنسان فى مصر ووضع. وكعادتهم مع الأفكار التى يختلفون معها، تلقف خدمة السلطوية البديلة فى الانتظار ما سجلته وأنتجوا صراخهم المعتاد المكون من أفعال المواقف البدائية؛ نرفض / نشجب / ندين، كعادتهم دون اشتباك مع الأفكار التى يختلفون معها، تلقف مكارثيو النوع الآخر ما سجلته وأنتجوا عبثهم المعتاد سوقا للاتهامات وتشكيكا فى المصداقية. أسجل كشرط ضرورى لإخراج مصر من أزمتها الإفراج عن المسلوبة حريتهم لأسباب سياسية، فيقولون وماذا عن المسجونين والمحتجزين والمعتقلين، أكتب اعتماد إطار للعدالة الانتقالية يحاسب كل متورط فى المظالم والانتهاكات وفى جرائم القتل والتصفية والتعذيب ويجبر الضرر عن الضحايا، فيعبثون بعبارات مثل ومن يعيد للضحايا حقوقهم. أدفع بحتمية إحياء السياسة بعد موات وإنقاذ السلطة التشريعية من كارثة «برلمان الأجهزة» الحالى، فيصرخون وماذا عن السياسة التى ماتت (أكاد أجزم أن أغلبيتهم لم تطالع نص الأفكار التى نشرتها جريدة الواشنطن بوست).


بالقطع، يمكن إثارة العديد من الملاحظات الموضوعية بشأن الأفكار التى سجلتها مع مايكل ماكفول. فالسلطة الحاكمة تبدو عازمة على سحق جميع معارضيها. فمثل هذه الملاحظة الموضوعية تلزم الحركة الديمقراطية فى مصر بالبحث عن سبل سلمية جديدة للضغط على السلطة لتجبرها على التغيير قبل أن تدفع بنا جميعا إلى الهاوية. مثل هذه الملاحظة الموضوعية تفرض على أصحاب الصوت الحر نشر الوعى بحتمية التغيير الديمقراطى لكى لا نتحمل كمصريات ومصريين المزيد من الأعباء الفادحة للظلم وغياب العدل والحق والحرية. غير أن مكارثيى النوع الآخر لا قبل لهم بالملاحظات الموضوعية، ولا بطرح بديل جاد يساعد على إخراج الوطن من أزمته. فقط الصراخ.


وربما تمثل الأمر الأشد رداءة وقبحا من الصراخ فى المعايير المزدوجة التى يوظفها خدمة السلطوية البديلة فى الانتظار. فالجرائم ضد الإنسانية فى سوريا ترفض، أما جرائم أصحاب الأموال الخليجيين ضد الإنسانية فى اليمن فيسكت عنها. والتعقب الكارثى للصحفيين وأصحاب الرأى فى مصر يشجب، غير أنه يصبح مسكوتا عنه فى تركيا (الدولة صاحبة ثالث أعلى رقم عالمى من الصحفيين المسلوبة حريتهم). والإجرام الإسرائيلى ضد الشعب الفلسطينى احتلالا يسمى بالمسميات التى يستحقها، أما المطالبة بعدم تورط مقاومى الاحتلال فى عنف ضد المدنيين الإسرائيليين فتصنف بعبثية خالصة كصنو تنازل عن الحق والأرض.


لا، لن أتصالح مع قبح السلطة ولا مع قبح السلطة البديلة. لا، لن أصمت على الجرائم فى مصر وسوريا، ولن أبرر الجرائم فى اليمن والسعودية والبحرين. لا، لن أتوقف عن إدانة كل عنف ضد المدنيين أو أتورط فى قبح نزع الإنسانية عن من أختلف معهم.