التمويل الأجنبى للعمل الأهلى مصدر قلق فى العلاقة بين الدولة والمجتمع المدنى ليس فقط فى مصر، ولكن فى دول عديدة أخرى يتراوح ما بين السماح الجزئى والحظر المطلق لتلقى أى منظمة محلية لتمويل من جهة أجنبية، القول بأن الحكومات تتلقى هى الأخرى دعما خارجيا ليس مبررا، والقياس عليه ليس فى محله، لأن هناك جهات عديدة تراقب أداء الحكومة، وتجعل التمويل الخارجى له مسارات محددة ليست بعيدة عن أعين المؤسسة التشريعية، وكما تتراوح الحكومات فى مواقفها ما بين المنع الجزئى والحظرالمطلق إزاء تلقى المنظمات الأهلية لتمويل خارجى، تتراوح أيضا المنظمات فى مواقفها تجاه هذه المسألة بين بعض يريد رقابة متعقلة، وبعض يريد حرية مطلقة، وفى أعقاب ثورة 25 يناير زاد الأمر تعقيدا نتيجة اعتقاد مؤسسات الدولة بأن الأبواب فتحت على مصراعيها لتلقى أموال لم تكن بريئة، فكانت هناك قضية التمويل الأجنبى الشهيرة إبان المجلس العسكرى، وهناك حديث مستمر فى هذا الشأن، آخره ما ذكرته بالأمس وزيرة التضامن الاجتماعى فى «الشروق».


القضية شائكة، من حق الدولة أن تحافظ على أمنها، ومن حق المنظمات الأهلية أن تعمل، والسؤال كيف يمكن أن يتحقق ذلك خاصة فى ظل التحديات التى يواجهها المجتمع داخليا وخارجيا؟


لا أتصور أن هناك صعوبات جمة تواجه المنظمات الأهلية التى تتلقى دعما خارجيا فى مجال التنمية المباشرة، ولكن المشكلة فى حالة المنظمات التى تعمل فى مجالات حقوق الإنسان، والأبحاث العلمية، والتدريب، والتى ينظر إليها بأنها تقوم بتشريح المجتمع من أعماقه، وتعبر الدولة دائما عن خشيتها من مصير الدراسات التى تجريها، وكيف يستفيد منها الطرف الخارجى الممول. وفى المقابل، فإن المنظمات الأهلية ترى أن العمل الخاص فى مجال البحث تقوم به هيئات أهلية مماثلة فى دول أخرى، لكنها عادة ما تمول من خلال رجال أعمال، أو وقف خيرى، أو جامعات، أو ما شابه.


الحل فى رأيى أن يكون البحث الاجتماعى لفترة زمنية قادمة مصريا خالصا، لأن من يحدد الأجندة البحثية، والهدف من إجراء البحث، واستخدام نتائجه هو المجتمع المصرى. هنا تبرز قضية مهمة هى المسئولية الاجتماعية لرجال الأعمال الذين يتعين عليهم دعم البحث العلمى خاصة فى القضايا الاجتماعية ــ كما يفعل أقرانهم فى الدول المتقدمة ــ من خلال وحدات بحثية متخصصة فى مراكز الأبحاث أو الجامعات، ويتمخض عنها أوراق عمل سياسات واضحة، بحيث يستفيد بها صانع القرار، ويعتمد عليها البرلمانى فى عمله، ويطلع عليها الجمهور العام بما يفيد تقدمه.


الظواهر الاجتماعية تتشكل وتتحور سريعا، والبحث العلمى الذى يتابعها محدود، والأكاديمية المصرية لا تزال أسيرة رؤى ضيقة غير متسعة الأرجاء، المجتمع يحتاج إلى بحث اجتماعى فى مجالات التنمية البشرية، وتغير القيم، واتجاهات التفكير، يبنى على معلومات ليست عابرة أو مشوهة، تسفر عن نتائج بحث جاد، يتمخض عنها سياسات ورؤى واضحة، يمكن الإفادة منها فى صنع السياسات العامة.


هذه قضية مصرية فى المقام الأول، بالطبع تواجه نقص التمويل، وترتطم بعقبات إدارية وأمنية، لكنها تحتاج إلى إعادة تنظيم فى ضوء احتياجات المجتمع، وضرورات تقدمه، والحفاظ على أمنه، وضمان الإفادة من الدراسات بما يعود عليه بالفائدة.