ترددت كثيراً قبل كتابة هذه السطور، فأنا لست كاتباً أو صحفياً أو سياسياً بالطبع. حتى إنني عمدت إلى صديق لي لعله يكتب وينشر بعضاً مما يدور في ذهني، ولكنني فشلت في إقناعه بالكتابة من غير أفكاره، و اضطررت لأن أكتب رغم ضحالة كتابني الأدبية الشديدة وبالذات في هذه الفترة.

فهذه الفترة تحديداً، و بعد أن مرت خمس سنوات على ثورة يناير المكلومة، أجد نفسي كما شباب جيلي، تطحننا الأحداث و تنال منا نيلاً عظيماً، يكاد يقضي علينا البؤس بسبب الوضع المزري الذي تمر به مصر، والمنطقة كلها، والأحداثٍ الدامية، يشترك في تلك الأحداث عدة أطراف كلها سيئة وخبثة، وحجم البشاعة والكراهية والشر الموجودين والمتصدرين للمشهد العام كبير.

كل هذا نواجهه ونحن في مقتبل أعمارنا، وما ننتظره من الحياة بتحقيق أحلام وطموحات وآمال، نعم إنني أجد طعم الحياة في نجاح يعقبه فشل، وفي فشل يعقبه نجاح. هكذا أرى الحياة مثيرة بالنسبة لي، أما ما نحن فيه فسواد يا ولدي سواد.

وتحديداً ما يحدث في مصر من قتل واعتقال واختفاء قسري وغلق لجميع أبواب المعارضة، أو حتى التفكير في المعارضة، شيء مبالغ فيه، فمؤخراً تم استحداث تهمة جديدة في مصر وحصرياً، تهمة نية المعارضة. فأنت حتى لا تملك نواياك التي لن تروق لأحدهم فكيف بأفعالك!

أكتب هذه الكلمات و قد انتهى يوم 25 يناير 2016 بمزيد من الاعتقالات والقتل والتنكيل، بعد أن كان قرار الدولة المصرية الموقرة بسد ميدان التحرير في وجوه الحالمين، أغلقته بصرامة وكيد. فالدولة تفعل ما تريد وما يحلو لها ولا معقب لحكمها.

ما دفعني في الحقيقة لهذه الكتابة بعض المواقف التي لفتت انتباهي وأريد أن أعرضها عليكم كما رايتها، ولكن قبل ذلك، سأحكي لكم قصة حدثت أمامي منذ خمس سنوات، إلا قليلاً! القصة تدور أحداثها عندما تم إعلان الفريق أحمد شفيق رئيساُ للوزراء، وأحدث هذا بعض النقاشات في الميدان فسمعت هذه الكلمات من أحدهم: “إن ثورة يناير لسيت ثورة على مبارك، بل هل ثورة على مبارك ودولته، ثورة على ثقافته وتعليمه وتدينه، ثورة على هذا العهد بالكامل، بل إنها ثورة على أنفسنا؛ فإنه إن لم تغيرنا الثورة فلم نثر، الثورة التي لا تشكل مجتمعاً جديداً ليست بثورة على الإطلاق”.

بدا لي هذا الكلام منطقياً جداً، وكذلك أعتقد أن كثيراً ممن شارك في الثورة يعتقد في هذا الكلام أيضاً. نعم انتهى يوم ذكرى الثورة الخامس واكتفيت فيه ببعض الإعجاب (اللايكات) والتعليقات هنا وهناك، إلا أنني أجد بعضاً مما حدث يعبر عن الثورة، فقلد رأيت مثلاً في موقف حركة 6 ابريل شيئاً يعبر عني؛ فأنا مثل الكثير الذين فضلوا أن يتناولوا بعضا من جرعات الحزن في البيوت، ورأيت في هذا مشهداً إنسانياً خالصاً. إنني هنا لا أبرر للحركة ولا احتاج إلى ذلك في الواقع فأنا لا أعرف من 6 إبريل إلا أحمد ماهر، ووجدت في كلمات علاء عبد الفتاح كلاما مشابهاً لبعض الزملاء هنا وهناك ممن كرهوا ما يحدث وضاق بهم الحال.

كما إنني وجدت أيضاً فيمن اختار النزول رغم علمه بكل المخاطر التي تحيط به أملاً كبيراً. وجدت في فيديو شادي في التحرير كوميدا سوداء قوية، ووجدت تصديق الناس لفيديو أمين الشرطة الذي يتحدث في ليلة الثورة – أنه فيديو حقيقي – حلماً، لقد كان يكلم الثوار بأنه إذا انتصرت الثورة ألا ينسوه، إننا ما زلنا نصدق هذا .. سننتصر! ورأيت سناء سيف وتي شيرت “لساها ثورة يناير” ثورة بمفردها، ومن الجدير بالذكر أيضاً أنني قرأت كثيراً من المشاركات على صورتها تعليقاً مشابهاً لهذا “جبتيه منين ده؟ أنا لازم أشتري تي شيرت زيه” … ماذا سيفعل هؤلاء بتي شيرت مكتوب عليه مثل هذا الكلام؟

كل هذه الأحداث التي لم يرتب لها أحدا أو كان يتوقعها حتى، هي تكون جديد يحدث، فتنازعات جماعة الإخوان الداخلية أرى فيها تجديداً لفكر أكبر جماعة سياسية في مصر. أليست هذه الثورة! ألا يستتبع هذا تغيير اجتماعي كبير؟ أليس هذا ما قاله صاحبنا؟

كنت أستغرب أولئك الذين كانوا يتحدثون لتثبيت الثوار في الميدان في خلال الـ 18 يوم الأولى عن كيف أن لثورة مثل: الثورة الفرنسية استمرت 30 عاماً لتحقق مطالبها، سيرحل مبارك بعد يوم أو يومين على الأكثر و سنفعل ما نريد بعدها، ألم نقتنع بهذا الكلام؟ 30 عاماً من الثورة.

ألا نترك لهذا التغير الذي يتكون أن ينضج؟ من منا لم يقرأ هذه الجملة في كلام بعضنا: “25 يناير 2016 ما بعدها مختلف عما قبلها”.

إنني لا أدعو إلى أي نزول معين أو إلى شيء محدد، فقط رأيت بعض الأحداث وأقصها عليكم مرة أخرى مصحوبة بتخيلاتي التي ربما هي تخيلات عيل مخنفس؛ (قالوا علينا كده الأول) .

طبيعي جداً أن يصيبك اليأس والخوف والحسرة، طبيعي جداً أن تبكي، نعم ابك، و طبيعي أن تترك لنفسك براحاً حقيقياً ليحتوي كونك إنسانا، لتحتوي الثورة التي صُنعت بدون ترتيب مسبق، وستكمل مسيرتها على سجيتها. ستكتمل الثورة يا “رفيقي” ويا “أخي” ويا “برنجي!” فكل تلقائية اليوم توحي بهذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست