تفرز النهضة المعرفية اليوم مجموعة متجددة من المعايير والأنظمة، التي من خلالها يتم تصنيف الأشخاص والمؤسسات والدول والمدن والفعاليات العامة والخاصة بناء على مقومات واضحة, واستنادا إلى مستوى التزام هذه المنشآت بها في الفهم والسلوك.

اليوم بتنا أمام مصطلحات متعددة تغزونا حول واقع المدن ومستويات تصنيفها, ومعايير عالمية يعمل بها في الفضاء الكوني للتمييز بين مدينة وأخرى, من خلال مجموعة من العناصر التي توافق علماء الاجتماع والإدارة والسياسة المجتمعية على أهمية وجودها في كل تصنيف, حتى تحصل المدن على المعيار الملائم لها.

المدن القابلة للعيش, والمدن العصرية, والمدن التكنولوجية, والمدن السياحية, والمدن الصديقة للبيئة, ونحوها من المسميات والمصطلحات التي يجب فهمها لكونها تتصل بسمعة الدولة ومكانتها, وقدرتها على الجذب السياحي والاقتصادي في الآن ذاته.

إن الشروط الواجب توافرها في هذه المدن في الوقت الراهن هي شروط الحياة التي تناسب الإنسان وتلائم عيشه ولا تجعله يعيش في داخل مستوعبات من الباطون المسلح, يغدو لعمله صباحا ويعود مساء دون شعور منه بإنسانيته.

ولذلك, كان لا بد للمسؤولين في الدولة, وبالذات عمداء ورؤساء البلديات أن يفطنوا إلى هذه المعايير, وأن يحسنوا التعامل معها, من أجل أن يقوم العالم بالتعرف إليها ووضعها في مكانتها اللائقة.

مسؤولية رؤساء البلديات وعمداء منظمات الحكم المحلي تعتمد على فهمهم الذاتي لطبيعة هندسة المدن, وفلسفة المدينة الحضارية, تلك المدينة التي تؤمِّن للساكنين فيها مقومات الراحة والعمل والاستقرار والترفيه والحياة العملية والاجتماعية الآمنة, وليس فقط حرصهم على العمران ومدّ الشوارع والجسور والخدمات الأساسية والبنى التحتية.

لذلك, وجب على صناع القرار في عالمنا العربي أن يبادروا إلى هضم هذه المنطلقات الأساسية في العمل البلدي, والبدء بتشكيل اللجان والفرق التخصصية التي تعيد قراءة شكل المدينة, وعوامل القوة والضعف فيها, لبناء تصور جديد لها من خلال إعادة تثبيتها لتصبح مدينة قابلة للعيش السليم والآمن والهانئ.

وعليهم هنا أن يدركوا أن دافع الضرائب له حق على الدولة والمؤسسات السيادية ذات الحضور الفعلي على الأرض في تأمين متطلباته ومتطلبات أسرته وأطفاله, فالحدائق العامة والمساجد والملاعب الرياضية ومواقع رياضة كبار السن ومتنفسات العائلة الاجتماعية, وأسواق البيع ومواقع الخدمات الاجتماعية والبيئة والمتاحف ونحوها, حجر الزاوية في بناء مدينة عصرية, يمكن للإنسان أن يعيش فيها, وأن يطور مهاراته وقدراته فيها بكل أريحية.

وإذا ما قمنا بدراسة بسيطة لواقع المدن العربية, عرفنا أن كل الإحصائيات الدولية الصادرة في هذه المجالات والتي تحدد مستويات المدن وقابليتها للعيش, قد استثنت المدن العربية بصورة واضحة, ليس تعديا وهجوما على المدن العربية؛ بل لأن هذه المدن باتت تفتقر فعليا لروحها الجاذبة, ومقومات الحياة البسيطة التي لا يمكن للإنسان العيش السليم فيها, فلا حرية ولا تكنولوجيا, ولا متنفسات بيئية ولا مؤسسات بانية للفكر والثقافة بالبعد الحضاري المميز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست