البعض يرى في الروايات أنها: ملعب للخيال، و تدريب على التقمص والاستنساخ, ولكن ليس كل الروايات كذلك؛ فروايات غابريل غارسيا مركيز تترك للقارىء مساحة ضيقة جداً لكي يتخيل الأمر, بل تجلسه على مقعد المشاهد فحسب, فهو يصف أدق التفاصيل التي تحيط بشخصياته, على عكس سارماغوا وكازنتزاكيس؛ فهما يشركان القارىء في إخراج أحداث الرواية, فيتركان له مساحة بيضاء في كل شخصية يلونها حسبما يرى وكيفما يساعده خياله على ذلك, وللقارىء مزاجان، كل منهما يفضل كاتبا على آخر، بحسب آلية قراءته أو مزاجه, ففي بعض الأحيان يرغب القارىء في أن يلون الأحداث، ويشارك بها، وأحيانا أخرى يرغب بأن يتطلع كمشاهد خارجي فحسب.

مهما يكن الأمر, فالرواية كما أرى هي رداء يرتديه القارىء أو ترتديه هي, ولكن بعض الروايات, مقاسها ضيق جداً, تشعرك بضغط حين ترتديك/ترتديها, فتجبرك على تحسس عنقك وقلبك وفكرك وتجعلك تهاب التقمص، على الرغم من استمتاعك المطلق به, فحين تضع نفسك مكان شخصيات الرواية ينتابك الكثير من المشاعر, أحيانا تتمنى لو كنت كما الشخصية, وأحيانا تهرب منها وتهاب أن تتقمصك إلى الأبد، ومن هذه الروايات ذات المقاس الضيق, اخترت لكم البعض:

الرواية الأولى: رواية العمى للكاتب جوزيه ساراماغو

هذه الرواية ضيقة جداً على حواسك, فهي تجعلك تعيد النظر في كل شيء من حولك, وتختبر قدرتك على التمييز بين الظواهر والكوامن, وتعيد تعريف جوهر الأمور لديك, تجعلك تشعر بمدى أهمية بصيرتك، وبمدى فعاليتها في تحديد أولوياتك, حين ترتديك هذه الرواية وتصبح هارباً باحثاً عن الضوء، وتبين لك كيف أنك مخدوع دوما بما يظهر لك وكيف أن ما يظهر لك دوماً يختلف عن حقيقة الأمر. في نهاية المسيرة المظلمة التي تجبر على سيرها مع أبطال الرواية سوف تسأل نفسك: كم من الوقت يجب أن أغلق عيناي لكي أرى الحقيقة يا ترى؟

مقتطفات من الرواية

الرواية الثانية: رواية الإنسان الصرصار للكاتب فيودوردستويفسكي

هذه الرواية ضيقة جداً على قيمك الروحية والنفسية، وحين ترتديك تضيق الخناق على مفهومك للحب والحقد والاحترام الذاتي, هذه الرواية تحولك لقزم صغير محاط بمفاهيم عملاقة, تنهار على الفور كلما تقترب منها فترى هرم الحب والرغبة كبيراً جداً, فما إن تقترب منه حتى يغدو سراباً, ثم ما إن ترتاح قليلاً حتى تقزمك الرواية أكثر فترى نفسك أقرب إلى حبة تراب يجول كل شيء من حولها دون أن تستشار, فما إن يغلق الباب عليها حتى ترى نفسها رجلا عملاقا! سوف تحيرك هذه الرواية القصيرة, سوى تتعجب؛ هل أنت بطل الرواية؟ هل أنت جزء منه؟ هل هي جزء منك؟ من يرتدي من؟

مقتطفات من الرواية

الرواية الثالثة: رواية ألف للكاتب باولو كويلو

روايات باولو كويلو لها طابع خاص جداً, هي روايات تعتمد على الروحانيات التي تمس الجميع, حتى أكثر الأفكار تحجراً تجدها أحيانا تجول في عالم الروحانيات لأنه عالم سحري يثير الفضول, هذه الرواية ضيقة جداً على خيالك, فهي تدفعك إلى أن تتخيل نفسك في أحداث الرواية أكثر من مرة, بل توقن في بعض الأحيان أنك مررت بأحداث تشبهها, وتجعلك هذه الرواية تضيق على ذاكرتك، فتصنف الأشخاص الذين مروا بك جميعاً أيهم أقرب إليك كما قرب البطل من الشخصيات من حوله, هذه الرواية سرد حياتي تبسط لك مفاهيم العمل والحب والزواج والإيمان والخداع! وفي نهاية الرواية سوف تسأل نفسك؟ هل سأمر بما مر به البطل أم أنني مررت ولم أدرك ذلك؟

مقتطفات من الرواية

الرواية الرابعة: رواية الحرية أو الموت للكاتب نيكوسكازانتزاكيس

هذه الرواية ضيقة جداً على وطنيتك وحبك للأرض, هذه الرواية سوف تجعلك تبدو أمام نفسك خائنا منزويا هاربا من مسئوليتك أمام التربة التي أنبتتك, في هذه الرواية سوف تشعر بصوت المعارك يجول من حولك، وسوف تجعلك تتطرح آلاف الأسئلة حول ما إن كنت ستفعل مثلما يفعلون أم لا، لم يعد هذا ممكناً, هذه الرواية سوف تضيق عليك الخناق، فتشك في أمرك كله, سوف تقول لنفسك هل يستحقني الوطن أم لا؟ وعندما تيئس سوف تسأل نفسك: ألا أستحق وطناً يمكن أن يولد في نفسي شعوراً كشعور أبطال الرواية؟

مقتطفات من الرواية

الرواية الخامسة: رواية ذهول ورهبة للكاتبة أميلينوتومب

هذه الرواية ضيقة على مكانتك الاجتماعية, وحين ترتديك سوف تدرك أن مكانة المرء جزء كبير من حظه في هذا العالم المعقد, وبعد هنية سوف تدرك أن جنس المرء لاعب أساسي أيضاً, سوف تندب حظك حيناً وتشكره حيناً آخر, في هذه الرواية اليابانية سوف تغوص في أعماق المشاكل الاجتماعية التي يخيطها المجتمع من حولك ويوقعك بشراكها رغماً عنك, حين تخلع هذه الرواية عنك سوف تسأل نفسك: ما سبب كل هذا؟ و كم من مثله هنا حولي !

مقتطفات من الرواية

الرواية السادسة: رواية بطل من هذا الزمان للكاتب ميخائيل ليرمونتوف

هذه الرواية ضيقة جداً على إنجازك في هذه الحياة, بطل هذه الرواية وكاتبها الصغير يجعلك تسخر مما تقدمه كل يوم لحياتك, بل ما قدمته بأكمله, ولكن، رغم هذا، ستشكر نفسك كثيراً؛ لأنك لست مثله, هذه الرواية ترتديك وتضيق عليك الخناق من اللحظات الأولى, وتحاول أن تبعد شبح البطل عنك؛ لكي لا ينالك ما يناله، ولكي لا تغدو مثله, رغم أنك في بعض الأحيان تترك له المجال لكي يتقمصك تماماً, فأنت ستحب أن تكون مثله في كثير من الأحيان حتى لو لم تكن مقتنعا بما يفعل, حين تخلعك هذه الرواية سوف تسأل نفسك؟ هل لكل إنسان نصيب؟ وهل الجزاء من جنس العمل؟ أم أن الأقدار لها كلمتها الأخيرة في كل شيء؟

مقتطفات من الرواية 

الرواية السابعة: رواية تلك العتمة الباهرة للكاتب الطاهر بن جلون

هذه الرواية ضيقة جداً على حريتك, وعلى استقلاليتك, هذه الرواية سوف تقرب جدران غرفتك منك حتى تشعر أنها ستطبق عليك, سوف تقدس حين تخلعها كل متر إضافي تكتسبه من حولك, حين ترتديك هذه الرواية سوف ترى أشباح الظلم تجول من حولك، وتحاول أن تنال منك, قد تنهمر دموعك خوفاً، وربما تعاطفاً، وربما تتصنع التصنم والتلبد لعل الأشباح تهابك, ولكنك في نهاية المطاف سوف تقول لنفسك: لا يعقل أن كل ما ذكر في هذا السرد حقيقة, فتهرع إلى جهازك وتبحث عما ذكر, لتصعق؛ أنه نعم قد حدث !
سوف تسأل نفسك: ما ذنب هذا؛ لكي ينال هذا الحظ، وما قدمته؛ أنا لكي لا أناله؟

مقتطفات من الرواية

الرواية الثامنة: مذكرات الأرقش للكاتب ميخائيل نعيمة

هذه الرواية تضيقك مفهوم الحكمة لديك, هذه الرواية تفقدك الإحساس بأهمية كل شيء من حولك، وتكسبك أهميته في ذات الوقت, حين ترتديك هذه الرواية سوف تغوص في العدم, في اللاشيء, سوف ترى فلسفة أمور جديدة, وبعد حين سوف تمل هذه الفلسفة وتتمنى لو أنك لم تتعرف عليها, هذه الرواية حين تنتهي منها سوف تسأل نفسك, هل يحتاج العالم كل هذه الأفكار؟ أم أن الحياة أبسط بكثير من كل هذا !

مقتطفات من الرواية

عزيزي القارىء إن شعرت أن هذه الصفحة ضيقة على هذه المشاركة يمكنك عمل مشاركة بكل بساطة ! دون الإشادة أو ذكر صاحب هذا المنشور – إن أحببت – فهذا الفضاء غالباً ضيق جداً على ذكر الأسماء, فهي بلا قيمة !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست