زيارة قصيرة إلى قريتك القريبة أو البعيدة، كفيلة بأن تقنعك بأنك تعيش فى عالم مغاير، سواء من حيث ظروف العيش أو من حيث القيم الثقافية والاهتمامات العامة. نتحدث ويتحدثون فى القاهرة والإسكندرية، مثلا عن الأجور والأسعار، فى حين أن الريف فى غالبيته لا يعمل بالأجر، مع الاعتراف بوجود شطر مؤثر من العمالة الزراعية بالأجر، وخاصة الموسمية منها، وتزايد نصيب المشتغلين فى الأجهزة الإدارية و«المحليات» وفى بعض الأنشطة غير الزراعية من إجمالى قوة العمل المشتغلة فى الريف.


ونتحدث ويتحدثون عما يسمى «تطوير المناطق العشوائية» بل «التنسيق الحضارى»، ولا تتذكر أو يتذكرون أن غالبية المعمور المصرى هو نفسه أصبح أقرب إلى منطقة عشوائية كبيرة، وأنه لا مكان هناك لتنسيق حضارى ما، بعدما آلت إليه البلاد خلال الأربعين عاما السابقة على ثورة يناير 2011.


وقد لاحظنا رغم ذلك، تزايد وتيرة «التحضر» بمعنى الارتفاع المتواصل لمساحة المناطق الأقرب إلى المدن فى حياتها اليومية، بل ولاحظنا أن ذلك التحضر – أو «الحضرنة» بتعبير أدق – قد أصبح «زائدا عن الحد المعقول» فيما يسمى overــurbanization بمعنى أنه أوسع نطاقا مما تتحمله البيئة الخارجية والداخلية للحياة الريفية. وقد نتج عن ذلك تدهور نسبى فى القدرة على الإمداد بمقومات الحياة «الحضرية» مثل مياه الشرب النقية، وشبكات الصرف الصحى، وما يقال له «الرعاية الطبية الأولية» وكذا تدهور فى إمكانية الوصول إلى – والحصول على – الخدمات الأساسية لاسيما فى مجالات التعليم العام والنقل والتنقل، ودع عنك الخدمات الصحية المتطورة. يترتب على «الحضرنة الزائدة» أيضا التآكل المتسارع فى الرقعة الزراعية لحساب التوسع السكنى والعمرانى «الفوضوى» أو «العشوائى»، مع الاتساع «السرطانى» – إن صح التعبير – للامتدادات القروية.
***


فأين هذا كله مما أطلقت عليه الأمم المتحدة مصطلح «التنمية الريفية المتكاملة» بمعنى التطوير المتنوع والمتوازن والمنسجم للأنشطة المكسبة للدخل والمولدة لفرص العمل، وإحاطتها بسياج واق من الخدمات والمرافق التى من شأنها الحد من نزيف الهجرة من الريف، وبالتالى تقليل وتيرة ظاهرة «ترييف المدن».


إن هذا المفهوم النظرى للتنمية الريفية المتكاملة، يقوم على «تمدين الريف» و«تصنيع الزراعة»، وبعبارة أخرى: «نقل النمط المدينى الحديث إلى الريف، بما يتوافق مع الأصالة المحلية والوطنية والتنوع الاقتصادى والاجتماعى. ويندرج ضمن ذلك المفهوم، التشجيع على إقامة صناعات ريفية مرتبطة بالنشاط الزراعى، فى إطار التوسع المضطرد للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، خاصة منها القادرة على الحد من بطالة المتعلمين الريفيين وزيادة التشغيل من خلال مبادرات «الرواد» من الشباب، القائمين بوظيفة «المنظم» للمشروعات من حيث استكشاف الفرص وتحمل المخاطر، بعون أساسى من الدولة».


ولقد أدى التغير «العشوائى» لأنماط الزراعة خلال أربعين عاما «1971ــ2011» إلى تقليص خطير فى المساحة الأرضية والمحصولية للسلع الغذائية والنقدية الأساسية، خاصة القمح والذرة والقطن، مع ما ترتب على ذلك من تدهور خطير فى معدل «الاعتماد على النفس» غذائيا وكسائيا. تحولت القرية – إثر ذلك – من مجتمع منتج إلى مجتمع مستهلك، ومن قطاع مساند للمدن الكبرى إلى عالة عليها، إلى حد بعيد، إذ أصبح الريف معتمدا اعتمادا كليا أو شبه كلى على المدينة فى الحصول على الخبز اليومى، والسلع الغذائية المكملة، دون تطوير موازٍ لموارد الطاقة المتجددة المولدة محليا كالوقود الحيوى. نضيف تزايد تكلفة الحصول على الطاقة والماء النظيف، والنفقات الأخرى المترتبة على «تتجير» الخدمات التعليمية والصحية، بتحويلها – أو قسم كبير منها – إلى أنشطة هادفة للربح، بحيث تحول الريف فى الوجهين البحرى والقبلى، خاصة القبلى، إلى مناطق طرد سكانى، مع تزايد العبء على المدن الكبرى والمتوسطة، وهوامشها الفقيرة.
***


فى ضوء كل ما سبق، يغدو مطلوبا استعادة قوة الدفع الريفى الذاتى، بحيث يتوقف نزيف «قوة الطرد»، وإعادة قدرة الريف – تدريجيا – على البقاء الذاتى والتحسن المضطرد لمستويات الحياة لساكنيه، بل وجذب أقسام متزايدة من النازحين حديثا من القرى إلى هوامش المدن بما فيها الصغيرة «كإيتاى البارود أو شبراخيت فى محافظة البحيرة بالنسبة للقرى المحيطة بهما مثل «جزيرة نكلا»..!.


وليس هذا، كل ما نرمى إليه هاهنا، وإنما نود الإشارة بصفة خاصة إلى أهمية التطوير الجذرى للنواة الصلبة للحياة الريفية، وهى الزراعة، فلم تزل فلاحة الأرض هى النشاط الرئيسى المولد لفرص العمل المكسب للدخل فى الأرياف المصرية.


وقد لاحظنا خلال الأعوام الأخيرة انخفاضا مضطردا لمتوسطات الدخول والقدرة الإنفاقية لسكان الريف، من المزارعين الصغار ثم المتوسطين، سواء من الملاك أو المستأجرين، و«شبه البروليتاريا» الريفية، وخاصة مع الإهمال، المتعمد أو غير المتعمد، للقطاع الزراعى فى مجال إنتاج المحاصيل الأساسية. لا نتحدث فقط عن القطن أو القمح، وإنما نشير أيضا إلى محصول رئيسى هو البطاطس. فبالإضافة إلى المشكلات المرتبطة بهذه المحاصيل فيما يتعلق بالبذور «التقاوى» نوعية وسعرا، وتزايد أسعار المدخلات الوسيطة من الأسمدة والمبيدات، تأتى المشكلة المزمنة للتسويق الداخلى والخارجى بما ترتب عليه من خسارة صافية أو ضعف معدل العائد الاقتصادى. أضف إلى ذلك المشكلات المتعلقة بالخضراوات والفواكه، من حيث التغير الموسمى لظروف الإنتاج، وتعثر شبكات النقل والتوزيع والبيع، وفوضى تجارة الجملة «سوق العبور» نموذجا، مما أدى إلى ارتفاع «أسعار المستهلك»، رغم عدم حصول المنتج الصغير على العائد المجزى.


أخيرا، تثور مشكلة مياه الرى التى لم تعد تصل بانتظام وبالكميات الضرورية إلى الأراضى «القديمة»، برغم التقنين الشديد، وتم ردم العديد من الترع والقنوات، إما بفعل الإهمال، أو بفعل عدم الحاجة إليها بعد تحول مناطق الزراعات إلى «مساكن فوضوية». وقد أدى ذلك إلى تزايد اللجوء إلى آلات رفع المياه، ليس فقط من مياه النهر، ولكن أيضا من باطن الأرض، مما يهدد بتجفيف الخزانات المتواضعة للمياه الجوفية، إن وجدت. وقد نتج عن ذلك ارتفاع تكلفة الرى، إلى جانب ما أشرنا إليه من ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، ونقص عوائد البيع والتصدير. ولا ننسى ارتفاع قيمة الإيجارات، حتى لأغراض الزراعة الموسمية. فماذا يبقى للفلاح الصغير بل والمتوسط؟
***


إن جماهير الأرياف التى شكلت «حائط الصد» خلال العامين الأخيرين من أجل دعم مشروعية الوضع القائم بعد الثلاثين من يونيو 2013، تتطلع إلى التفات جاد للأحوال المرتبطة بالريف والقطاع الزراعى. لا ندعو إلى إجراء شكلى فقط مثل تحويل «وزارة الزراعة» إلى «وزارة الزراعة والتنمية الريفية»، وإنما إلى تغيير جوهرى فى توجهات السياسات المرتبطة بهذا القطاع الكبير من الاقتصاد والمجتمع المصرى.


فهل يستمع إلى ذلك أولو الأمر فى القطاع الزراعى والريفى، وفى المجال المجتمعى والسياسى والثقافى والتواصلى بوجه عام؟