لقد أسهم التشريع الإسلامي في تحرير العبيد تنظيرًا وتطبيقًا؛ أما التنظير فكان من خلال إرساء مبدأ المساواة بين الناس جميعا، فالناس في الإسلام متساوون، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وتظاهرت النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية على تأكيد هذا المبدأ، فقد قال الله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (النَّاسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ) (انظر: كنز العمال).

ولأن الأصل واحد، وينتهي نسب الناس جميعا إلى آدم عليه السلام فإنه لا ينبغي أن يكون معيارُ التفرقة بين الناس جنسًا أو لونًا، فالجميع إخوة أبوهم واحد، لذا نفى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الجنس أو اللون معيارا للمفاضلة بين الناس، فقال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) (مسند أحمد).

فنفى أن يكون الجنس (عربي/ أعجمي)، أو اللون (أحمر/ أسود) (ملحوظة: تستخدم العرب الأحمر للإشارة إلى صاحب البشرة البيضاء، وتستخدم البياض للدلالة على طهارة الأصل) معيارًا للتفاضل بين الناس أمام الله تعالى، وليكون هذا المبدأ معلوما لعموم المسلمين شاهدهم وغائبهم قال: (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ). ولأن التقوى معيارَ التفاضل بين الناس محلُّها القلب، فالله تعالى ينظر إلى قلوب عباده وأعمالهم ولا ينظر إلى صورهم وأجسادهم، كما روى الإمام مسلم في صحيحه.

وإذا صح أن تكون هذه النصوص هي الأساس النظري لتحرير العبيد، فإن التشريع الإسلامي خطا خطوات عملية لتحرير العبيد سابقا بذلك القانون الدولي بنحو 1300 سنة، وهو ما يمثل التطبيق العملي لهذه المبادئ، فلم تكن مجرد نصوص لمصمصة الشفاه، أو حبرًا على ورق ككثير من المعاهدات والقوانين الدولية اليوم التي لا تجد سبيلا إلى تحققها على أرض الواقع، فتجد الدول التي تتشدق بحقوق الإنسان وتنصب نفسها راعية للديمقراطية تتخذ منها شعارات لفرض هيمنتها وسيطرتها على العالم، فيقتلون الأبرياء لا يفرقون بين طفل وشيخ، ولا بين رجل وامرأة، وما العراق منا ببعيد، وما سوريا اليوم بخافٍ حالها على هذا العالم المتقدم.

ويمكن إيجاز الخطوات العملية التي خطاها التشريع الإسلامي في سبيل تحرير العبيد في نقاط رئيسة – كان بعضها فرضًا وإلزامًا وبعضها فضلا والتزاما – على النحو التالي:

1) من الوسائل التي شرعت في الإسلام لتحرير العبيد أن الله تعالى جعل العتق كفارة لعدد من الذنوب كالقتل الخطأ والظهار والحنث في اليمين، فإذا ما تسبب المسلم في قتل أحد أفراد المجتمع خطأ فإنه وجب عليه تعويض المجتمع بفرد آخر، ما يشعر بأن الحرية في الإسلام تساوي الحياة، وأن العبودية والرق كالموت بالنسبة للإنسان، ويشعر أيضًا بأن تحرير العبيد وإعطاء الناس حرياتهم من مقاصد الشريعة الإسلامية، وبذلك يعالج الإسلام الفساد الاجتماعي المنتشر آنئذ والذي تسببت فيه الحروب وتسلطُ بعض الناس على رقاب بعض.

2) هيأ الإسلام نفوس المؤمنين لتقبل فكرة القضاء على العبودية والرق، فالله تعالى إذ شرع العتق كفارة لبعض الذنوب، أتبع ذلك بقوله: (فمن لم يجد)، وفي الآية ما يسميه علماء المعاني الإيجاز بحذف المفعول، ولك أن تتساءل: لم يجد ماذا؟ المال أم الرقبة؟ وكلاهما تحتمله الآية، فقد تتوفر الرقبة ولا يتوفر المال لشرائها وعتقها، وقد يتوفر المال ولا تتوفر الرقبة لشرائها وعتقها، وهذا المعنى الأخير يشعر أن من مقاصد الإسلام القضاء على الرق والعبودية، ولم يتركنا الله تعالى في فراغ تشريعي إذا ما تحقق هذا الأمر، بل شرع لنا تشريعًا آخر في هذه المرحلة، وهو صيام شهرين متتابعين، فقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).

وقال: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا).

ولم يكن صيام شهرين متتابعين بديلا لمن لم يجد رقبة لعتقها للتكفير عن حنث اليمين لأن العتق كان على التخيير وليس على الإلزام، وبدائله متوفرة.

3) شرع الله الزكاة تأليفا للمجتمع المسلم، وحدد القرآن مصارف الزكاة وحصرها في ثمانية أصناف، وقد تولى الله تعالى نفسه تحديد هذه المصارف، ولم يَكِل الأمر إلى نبي ولا غيره، فقد أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله من أموال الزكاة، فقال: (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك) (سنن أبي داود).

ومن هذه الأصناف الثمانية الرقاب والغارمون، قال الله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

ما يؤكد أن عتق الرقاب وإعطاء الناس حرياتهم من مقاصد التشريع الإسلامي، في حين أن بعض نظم التشريع في الثقافات السابقة على ظهور الإسلام، بل واللاحقة عليه، قد جعلت المغارم سببا لاسترقاق الناس، فمن كان مدينًا ولم يستطع قضاء دينه فإن صاحب الدين يسترقه ويستعبده، وبعضها جعل عقوبة السرقة أن يسترق المسروق سارقه ويستعبده لمدة سنة، فالعجب ممن يتهم الإسلام بالوقوف ضد حقوق الإنسان، ينسى عامدًا متعمدًا هذه الحقب المظلمة في تاريخ البشرية، والثقافات المريضة.

4) شرع الإسلام تشريعًا لم تسبق إليه حضارة من الحضارات ولا ثقافة من الثقافات، يمهد لفكرة القضاء على الرق والعبودية، وهو المكاتبة، بأن يطلب العبد من سيده حريته بمال يؤديه إليه في مدة معلومة، فإذا أدى ذلك صار حرًّا، وأمر السادة أن يعطوا مماليكهم ما يريدون من الكتابة إذا كانت لهم قدرة على الاحتراف والكسب، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا).

ورأى بعض العلماء أن الأمر في الآية أمر إرشاد واستحباب لا أمر إيجاب، فإن شاء كاتبه، وإن شاء لم يكاتبه، لكن التطبيق العملي من فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما أبى أنس بن مالك أن يكاتب عبده سيرين، فضربه عمر بالدّرة، وتلا قول الله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، فكاتبه أنس (صحيح البخاري)، يوحي بأن الأمر للوجوب، وعلى كل فالخلاف لا يعنينا، فإذا كان الأمر للوجوب أو للاستحباب، فقد مهد الإسلام بذلك لإلغاء الرق، بل أمر الله تعالى السادة أن يطرحوا جزءًا من المال الذي كاتبوا عليه عبيدهم، فقال: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ).

5) جعل الإسلام من وسائل عتق الرقاب أن الولاء لمن أعتق، فمن أعتق عبدا أو جارية، ومات وليس له وارث فماله لسيده الذي أعتقه، وفي هذا حث على العتق وتحرير الرقاب؛ لأن الإسلام يقيم علاقة بين السيد ومملوكه تشبه علاقة النسب، فكما أن الولد منسوب إلى أبيه بالنسب، فالعتيق منسوب إلى معتِقه بالولاء، وفي الحديث: (الولاء لُـحمة كلُحمة النسب) (سنن البيهقي الكبرى). ويذكر السرخسي أن السبب في ذلك (أن المعتِق مسبِّب لإحياء المعتَق؛ لأن الحرية حياة والرق تلف، فإن الحرية تثبت صفة المالكية التي بها امتاز الآدمي من سائر الحيوانات، فكان المعتِق سببًا لإحياء المعتَق كما أن الأب سبب لإيجاد الولد) (المبسوط للسرخسي 30/ 38، 39).

6) من محاسن التشريع الإسلامي في حق العبيد أنه حرم التمثيل بهم وتحميلهم ما لا يطيقون من العمل، فقال صلى الله عليه وسلم: (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليُلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) (صحيح البخاري ومسند أحمد). ولأن من الناس من تغلبه نفسه فلا يلتزم الأمر إذا لم تكن فيه عزمة، فقد حرم التمثيل بالعبيد كما كان أهل الجاهلية يفعلون، بل جعل ذلك سببًا لعتقهم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مُثِّل به أو حُرِّق بالنار فهو حر، وهو مولى الله ورسوله) (مسند أحمد وسنن البيهقي الكبرى).

وأتاه رجل خصاه سيده لما وجده يقبل إحدى جواريه، فأعتقه النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل حقا على كل مسلم نصرته، ولما خشي الرجل أن يجده سيده فيسترقه مرة أخرى، سأل النبي صلى الله عليه وسلم: على من نصرتي؟ فقال: (على كل مؤمن أو مسلم) (سنن أبي داود وسنن ابن ماجه). وقد كان أبو بكر يحسن إليه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاة أبي بكر كان عمر يحسن إليه، ولما أراد التوجه إلى مصر كتب عمر إلى عمرو بن العاص أن احفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه (مسند أحمد وسنن البيهقي الكبرى).

وقد استقر هذا التشريع في الصدر الأول من الإسلام؛ فقد جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب فقالت إن سيدي اتهمني فأقعدني على النار حتى احترق فرجي. ولما لم يكن هذا السيد رأى من جاريته ما يتهمها به من الفاحشة، ولا هي اعترفت بفاحشة، قال عمر للرجل: أتعذب بعذاب الله؟ وضربه مائة سوط وأعتق الجارية (سنن البيهقي الكبرى).

7) كانت أبواب الرق في الجاهلية عديدة، كالخطف واللقطة والأسر، فأغلق الإسلام كل المنافذ إلى استرقاق الناس، ما عدا أسرى الحرب؛ لأن المعاملة ستكون بالمثل مع أعداء الإسلام، يسترقون المسلمين، ويسترقهم المسلمون، أما الخطف فقد كانوا في الجاهلية يسطو بعضهم على بعض ويخطفون الأحرار والحرائر ويبيعونهم عبيدًا وإماءً، ومن أمثلة ذلك زيد بن حارثة الذي خُطف صغيرًا وبيع في السوق، وكذلك سلمان الفارسي رضي الله عنه الذي باعته القافلة التي جاء فيها إلى المدينة فصار عبدًا عند يهودي من يهود المدينة، وأما اللقيط ويسمى المنبوذ، فكان من يجد لقيطا يسترقه ويستعبده، وقد جاء رجل يسمى أبا جميلة إلى عمر رضي الله عنه معه منبوذ/ لقيط فقال له عمر: (اذهب فهو حر وعلينا نفقته ولك ولاؤه) (موطأ مالك).

وجمهور علماء المسلمين على أن اللقيط حر، قال ابن حجر: (لأن الأصل في الناس الحرية؛ إذ لا يخلو المنبوذ أن يكون ابن حرة فلا يُسترق، أو ابن أمة قوم فميراثه لهم، فإذا جُهِل وُضِع في بيت المال ولا رق عليه للذي التقطه) (فتح الباري 12/ 40). وبذلك أغلق الإسلام كل أبواب الرق، ولم يبق إلا باب أسرى الحروب، وقد سبقت الإشارة إلى أن غلق هذا الباب كان يحتاج إلى تشريع دولي لا يختص به المسلمون وحدهم، بل كان ينبغي حفظ حرية الأسير المسلم، كما أن المسلمين سيحفظون حرية أسرى أعدائهم.

8) جعل الإسلام بابًا آخر لعتق المماليك، وهو خاص بالجواري هذه المرة، وهو الولادة، فإذا ولدت الأمة لسيدها فقد صارت حرة لا يجوز بيعها، ولا يفرق بينها وبين ولدها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (أيما أمة ولدت من سيدها فإنها حرة بعد موته) (المعجم الكبير للطبراني ومسند أحمد). وهذا من محاسن الإسلام، بل إن الأمر تعدى الولد الكامل إلى السقط، فكان عمر رضي الله عنه يقول: (أم الولد أعتقها ولدها وإن كان سقطا) (سنن البيهقي الكبرى).

وكان التطبيق العملي من الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أن عَتَقَت أمته مارية التي ولدت للنبي صلى الله عليه وسلم إبراهيم، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا نورث، ما تركنا صدقة) (صحيح البخاري). فلما لم يثبت أنها كانت من الصدقات، ولم يتم بيعها ووضع ثمنها في بيت المال، علم أنها عتقت.

هذه نبذة من التشريعات الإسلامية التي أسهمت في تحرير العبيد، أو مهدت لإلغاء الرق، نضعها بين أيدي المؤمنين ليروا عظمة الدين الذي يشرفون بالانتساب إليه، كما نضعها بين أيدي المنصفين من أعدائه، لعلهم ينظرون إليها بتجرد، يقودهم الإنصاف والبحث عن الحق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست