تدور قصة فيلم concussion)) للممثل الأمريكي الشهير ويل سميث، حول أحد الأطباء المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية من نيجيريا والذي يدعى الطبيب (بينيت أومالو)، والذي عمل طبيبًا شرعيًا بالولايات المتحدة حيث كان عمله منصبًا حول معرفة سبب وفاة الميت، ومن هنا تبدأ القصة إذ كان تخصصه الدقيق هو علم المخ والأعصاب، ومع مرور الأحداث يكتشف الطبيب أومالو وجود رابطة بين نوع من الارتجاجات الدماغية وبين لاعبي كرة القدم الأمريكية، والتي تؤدي بدورها على المدى البعيد إلى إصابة اللاعب بالجنون، وانتحاره بالنهاية.

وكما شرح الطبيب أومالو بالفيلم، فإن لاعبي كرة القدم الأمريكية يستخدمون الرأس سلاحًا في كل لعبة، وفي كل تمرين، وفي كل مباراة، منذ أن كانوا أطفالًا وعلى مدى 18 عامًا حتى وصولهم سن الاحتراف، وأضاف أن لاعبًا مثل لاعب خط الوسط في فريق كفريق الستيلرز يتعرض في هذه المدة إلى ما يزيد عن سبعين ألف صدمة في الرأس، والتي بدورها تؤدي إلى إطلاق سلسلة متتالية من الأحداث العصبية، والتي تطلق ما يسمى بالبروتينات القاتلة (killer protiens)،  وهي نوع من البروتينات التي تستطيع إعادة إنتاج نفسها بنفسها وبإمكانها أن تصبح مُعدِية فيؤدي ذلك إلى احتلال التشابك للدماغ وخنقه من الداخل والخارج، وذلك كسكب إسمنت رطب في مواسير المطبخ – حسب تعبير الطبيب – كلما زاد تصلبه كلما زاد من خنق دماغ اللاعب جاعلًا إياه شخصًا غير معروف حتى لنفسه.

أكمل الطبيب أبحاثه على حالات أخرى أكدت صحة اكتشافه، ونشر البحث في إحدى المجلات العلمية.

إلى هنا تبدو القصة مثالًا على الجد والاجتهاد، وبلوغ المجد بعد لعق الصَبْر، إلا أن الأمر لا ينتهي بهذه السهولة طالما كان هناك أحدٌ خاسر، ولا سيما إذا امتلك الخاسر نفوذًا ومصالح تتعارض مع هذا العلم، وهذا الاكتشاف.

كان الخاسر بذلك الاكتشاف هي الرابطة الوطنية لكرة القدم، وهي شركة لديها ما يقارب 20 مليون زبون يتوقون لمنتجاتها كل أسبوع، بنفس الطريقة التي يتوقون بها إلى الطعام، فما كان لطبيب بسيط – والذي سيودي بحثه إن صحّ بهذه الرابطة إلى الإفلاس – أن يهزم بعلمه هذا النفوذ، إذ أن مُفاد بحثه أنّ سبب وفاة هؤلاء اللاعبين هو لعبهم كرة القدم الأمريكية، والتي تعتمد الرابطة في وجودها عليها.

ومن هنا تبدأ الحرب بين الطبيب وأنصاره، والرابطة بنفوذها وإعلامها، فعقدت الرابطة مؤتمرًا  زيفت فيه الحقائق، وأذاعت لقاءات لأطباء مأجورين يشككون في صحة الاكتشاف، وبدأت الملاحقات والاتهامات بالاحتيال تنصب على الطبيب ومديره حتى اتهموا المدير بـ48 تهمة فيدرالية ساذجة كان منها الإسراف في استعمال الفاكس، وطلبوا من الطبيب الشهادة عليه إلا أن الطبيب فَطِن لذلك، إذ ذُكِر اسم هذا المدير في البحث، فكان الهدف هو إسقاط البحث من خلال إسقاط أصحابه، فاستقال الطبيب وانتقل إلى مدينة أخرى، وعاش بها مع زوجته وأولاده، إلّا أنّه بعد مدة صحّ بحثه، ولم يعد بالإمكان استمرار الكذب بشأنه إذ ازدادت معدلات الوفاة بين اللاعبين، ومن ضمنهم أعضاء للرابطة نفسها، فتم تكريم الطبيب، ونال الجنسية الأمريكية، وعُرض عليه منصب الطبيب الشرعي لأمريكا من قبل رئيسها، ولكنه رفض المنصب لما رأى أن كرة القدم ما زالت قائمة بنفس الطريقة من العنف في اللعب والتدريب، وآثر العودة من حيث جاء.

فما أشبه هذه الليلة بليلانا، وما أدق التشابه بيننا وبينهم، ففي كل زمان تجد عالمًا كأومالو، وتجد رابطة كالرابطة، وتجد علماء سوء كعلماء الرابطة.

وإن نشأة هذه الثلاثية لقديمة كل القدم أثرية كل الأثر؛ فتجدهم في قصة موسى (عليه السلام)، وفي قصة يوسف (عليه السلام)، وكان بداية بروزها بفجاجة في الإسلام العصر العباسي الأول، وذلك حين حاول الخلفاء العباسيون – كما كان خلفاء بني أمية – بنفوذهم استمالة الفقهاء ورجال الدين، ليدعموا سلطانهم عند العامة، فظهر ابن أبي دؤاد أيام المعتصم والمأمون، حتى كان ينصح أحد أتباعه بقتل الإمام أحمد بن حنبل، ويقول له: “اقتله ودمه في عنقي”، وذلك وقت فتنة خلق القرآن، واستمرت هذه الثلاثية إلى عصرنا هذا (سلطانٌ، وعالم حقٍ، وعالم سوء) يتصارعون إلى يومنا هذا، “فَأمّا الزَبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً، وَأمّا مَا يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأَرْضِ”، فيذهب السوء، ويبقى الخير، وإن طال زمان السوء، وعَظُمت أسبابه، وغَيّب بِجبروته عقول الناس عن ظلمه، فلكل نبأٍ مستقر، وسوف تعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست