ذات يوم، وأنا أشاهد التلفاز، وأقلب بين قنواته، مرت بي قناة: “ناشونال جيوجرافيك”، تلك القناة التى تركز على سلوك الحيوانات فى الغابة أو المحميات الطبيعية، لأشاهد فيلا صغيرا يرسم على لوحة بألوان الزيت شجرة وفيلا ووردة، ثم فى المشهد الذى جاء بعده رأيت قردا يلعب على شاشة الكمبيوتر، وتحدد له الأرقام من الواحد إلي تسعة فتظَلل، وهو يحفظ أماكنها ويختارها ولا يخطيء مرة تلو الأخرى، فجاء فى خاطري سؤال:هل حقا الفرق بين الإنسان والحيوان هو العقل؟ سؤال بدائي لدرجة كبيرة، ويبدو للوهلة الأولى ساذجا، ولا نحتاج لتتضييع الوقت فى الإجابة عليه، ولكن إذا تعمقنا أكثر لوجدنا الأمر يحتاج لبذل جهد لمعرفة الإجابة.

وعندما مررت بالبحث بات لي الأمر أكثر وضوحا، فلم يعد العقل بالنسبة لي هو مناط الفارق بين الإنسان والحيوان، وما العقل إلا مفهوما أوجدناه نحن، وقد عرفه المعجم بأنه ربط شيء، أي: عقله، ومنه جاء عقال، وعقل البهيمة … إلخ، وليس الإنسان هو نتاج ذلك التطور من هذا القرد أو ذاك الشمبنزي فمر بمئات السنين من التطورليصل لتلك الحالة التى سميت الآن بـ”الإنسان المتحضر”، فتفسر لنا تلك النظرية:  لماذا القرد والفيل والأسد والكلب يملكون قدرات عقلية، فتجيب بذلك على سؤالنا، أعتقد أن ذلك هو التفسير البسيط.

لعلنا إذا جئنا بطفل صغير ووضعناه فى جزيرة مع حيوانات وتركناه فى القرن الواحد والعشرين دون أى تعليم أو إرشادات سيتكرر لنا مشهد “روبنسون كروزو” أو قصة “حي بن يقظان”، أو لربما ينتج لنا تلك القصص الكرتونية، مثل: طرزان وماوكلي ممن تربوا فى الغابة وحدهم، ولبقي الوعي هو نفس وعي حيوان عادي لا نستطيع أن نفرق بينهما وبين الحيونات التى نقول إننا متطورون عنها، وإننا الجنس الأفضل من الثدييات، وإننا مررنا بأكثر من 185 مليون عام من التطور، ولانهارت فكرة الإنسان المتحضر فى ثوان.

دعونا نتخيل وجود كلب ينبح أو أسد يزأر فى وجوهنا ونحن واقفون بين هذا وذاك ولا نفهم مراد أحدهم، حائرون تائهون ولا نعلم ماذا نفعل أو ما يرضيهم فنضربهما ونطلق عليهم الرصاص ليصمتوا، ربما كانوا يريدون الطعام أو الشراب، ربما الجو بارد، ولكن لا يتمكنون من التعبير إلا بتلك الأصوات، هكذا أصبحنا تلك الأيام، الناس فيما بينهم يتكلمون فلا يدركون بعضهم البعض فيتجهون إلى النعيق والخناق.

ولعلنا فعلياً إذا نظرنا من زاوية أخرى نجد أن ما يفرقنا عن الحيونات هو اللغة، باعتبارها الشق الأول، والتى عرفها ابن جني بأنها: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، ولكن أيضا الحيونات يملكون تلك اللغة، كالببغاء أو كالخيول فى صهيلها، والأسود فى زئيرها، والكلاب فى نباحها، ولكن فعليا ما يميزنا هو التراكيب اللغوية التى تعطي لكل صوت دلالة محددة، فتقع الدلالات على المفردات فيصح المعني.  ولأن الإنسان يفكر باللغة  فيحدث تطور فى الثقافة العامة والوعي العام للعقل الجمعي، ثم يتم كتابتها وتدوينها باعتبار التدوين هو الشق الثاني المميز للبشر عن الحيوانات؛ فبدون التدوين والتراكم المعرفي  لما كان لأحد أن يفرق بيننا وبين الشمبانزي في شيء، إلا الشكل قليلا. وباللغة والتراكم المعرفي أصبحنا على مر القرون السبع الماضية نشق طريقنا في رحلة تطورنا حتى اصبحنا اليوم  جنسا مميزا يمتلك آليات التطور التى أوصلتنا إلى ما يسمى بالثورة العلمية والتكنولوجية التى استشرت فى بقاع الأرض فى القرن الواحد والعشرين.

ولكن لعل السؤال الذى يجب أن يُطرح الآن: ما هي أسرع طريقة لنهدم بها حضارة بشرية كاملة جاهدت كل ذلك الأمد، لنعود والحيوانات سواء؟

وهو سؤال يُجاب عنه  فى محورين : أولهما : هدم التراث والآثار الباقية مثلما يحدث فى سوريا والعراق اليوم واليمن، حتى لا يصبح للإنسان ماض يمكنه من إدراك المستقبل بخطوات ثابتة، فمن لا ماضي له لا مستقبل له، وإذا استمرت تلك الحالة الهمجية هناك سنجد أنفسنا جيلا بعد جيل لا يعرف أي شيء، سوى أنه فى عالم من التقدم ولا يعلم كيف يديره، فسيعود الناس سيرتهم الأولي لا يفترقون عن القردة فى شيء .

وثانيهم: أن يصل الجهل بأهل أمة من الأمم إلى الدرجة التي لا يمكنهم معها تحديد دلالة المفردات والألفاظ المستعملة بينهم، فلا يمكن لهم التواصل فيما بينهم إلا بالقدر الذي تتواصل به الحيوانات العجماء حين تصدر أصواتاً مبهمة لا تفهم إلا على نحو إجمالي عام، فهذا «الصوت» تعبير عن الألم، وذاك «الصوت» نداء للتسافد والتناكح، أو إنذار للتهديد واستعراض القوة، أو إعلان لحالة ابتهاج مؤقت كتلك التى نراها  فى جبلاية القرود. وهذه «الأصوات» لا يصح أن نسميها كلمات أو ألفاظ أو مفردات، أو غير ذلك من مكونات «اللغة» بالمعنى المحدد لهذه الكلمة المميزة للنوع الإنسانى خصوصا. كما أعرب د.يوسف زيدان فى مقال له .

ولعل أولها فى مصر قد حدث فعليا، وهو هدم الماضي، فيتم الاعتداء على الآثار المصرية ويعلن أحدهم أنه سيفجر الإهرامات باعتبارها صنما !  ويتم تخريبها حتى سنكون فى مأزق قريبا إن لم تنته تلك المهزلة من الاستهتار والسبهللة العامة. ولعل ثانيها، وهي اللغة، فقد انطبق الوضع فى مصر حتى صرنا فى حالة من الخبل فننادي الناس لنمدحهم فنذمهم ونريد أن نذم الناس فنمدحهم، وما انفككنا إلى يومنا هذا حائرين فى دروب العامية التى  قامت بتمييع اللغة فلم يعد لها ضابط ولا رابط يعقلها .

فعلى سبيل المثال: أصبحنا نقول كلمة “حرام” بكثرة ولم نعد نحدد لها دلالة ، فأى شيء هو حرام باعتباره وصف قبيح  وبهذا الوصف قد وصمنا المسجد الحرام بأنه شيء قبيح ، ولم ندرك أن مفردة حرام تعني ” ممنوع ” وهي ليس لها علاقة بالقبح أو بالجمال . وكذلك مفردة “سجد” فنقولها على ما يقوم به الواحد منا فى صلاته حين تلمس رأسه الأرض ، وهي تختلف كليا عن الدلالة الأصلية لها ، فالسجود هو الطاعة  ومنها قوله : إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي”ساجدين” .

وكذلك مفردة “رائع” التى يستعملها الناس لوصف شيء جميل، في حين إنها مشتقة من روع وهو الخوف والفزع ، أو مفردة “شاطر” والتى نستخدمها لنعبر بها عن التميز وهي فى الأصل تعني الانشطار وقد جاءت فى المعجم توصف من أعيى أهله خبثا ومكرا، فلم تعد الدلالات تنطبق على مفرداتها فى ذلك الواقع العبثي وأصبحنا نأخذ قشريات الكلام والمصطلحات الفضفاضة التى لا تعبر عن أصل الشيء  طلبا فى الاستسهال ، ثم نخرج نتضاحك على من كتب وزارة بالـ “ذ” وليس الـ”ز” وكأننا أصبحنا فى الترف الذى يسمح لنا أن نتكلم عن تلك المشاكل التى تتفرع عن ضياع اللغة بأكملها. وقد جال فى خطري سؤال بأن: هل لو استمر الوضع هكذا أنحن فى انتظار جبلاية قرود قريبا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست