لا يمكن أبدًا الغفلة عما يحدث لطهران، من سنين تعاني هذه الدولة الشيعية من حصار اقتصادي عالمي، بيد أن اقتصادها ما زال متماسكًا.. فهل يعني أنه فوق مستوى الانهيار، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟!

ما من شك أن إيران هي الفائز الوحيد في الاضطرابات التي تضرب المنطقة، فهي اللاعب الأكثر تأثيرًا في السياسة العراقية، إذ أنها تحتفظ بعلاقات وثيقة مع حكومة العبادي، وترعى، إن لم تكن تتحكم؛ في عدد من المليشيات الشيعية، وتحافظ على علاقة تعاونية مع حكومة إقليم كردستان.

كما كان دعم إيران جوهريًا في الحفاظ على نظام الأسد في دمشق، ويظل عميلها حزب الله القوة المهيمنة على الساحة السياسية اللبنانية. ورغم أن علاقة طهران بالحوثيين ليست بمتانة علاقتها بحزب الله أو المليشيات العراقية، فإن نجاح الحوثيين في اليمن يعزى إلى الشعور الإقليمي بأن لإيران يدًا في الأمر. وقد فشلت كافة الجهود الإقليمية لمواجهة إيران حتى اليوم، سواء كانت تلك الجهود هي الدعم السعودي والتركي للمعارضة السورية، أو تمويل السعودية تحالف الرابع عشر من آذار اللبناني وتقديم المساعدات العسكرية للحكومة اللبنانية، أو الحملة الجوية السعودية الحالية ضد الحوثيين.

الغرب يريد إيران قوية:

ببساطة هندسة الشرق الأوسط تستند إلى أن إيران عدو إسرائيل، وهي في ذات الوقت عدو للسعودية قائدة العالم الإسلامي، على طرفي المعادلة إذن أن يبقوا في ذات الكفة وهو بالضبط ما تفعله زعيمة العالم الجديد واشنطن؛ وهذا ما أكدته صحيفة واشنطن بوست حين كشفت ما وصفته بأمنية الرئيس الأميركي باراك أوباما التي أعرب عنها في ديسمبر/كانون الأول أن يرى إيران “قوة إقليمية ناجحة جدا” وقالت الصحيفة إن أمنيته، التي تشكل كابوسًا للدول العربية الموالية للغرب، بدأت تصير واقعًا ملموسًا.

وأشارت الصحيفة إلى جانب من هذا الواقع ومنه خليج عدن؛ حيث ترسل إيران أسطولا من السفن الحربية وبوارج الأسلحة لتعزيز متمردي الحوثي في اليمن لتؤكد مكانتها كمتنمر ووسيط إقليمي، وأميركا لم تحرك ساكنا وفي ذات الوقت تضغط على السعودية لوقف العملية الجوية هناك والموافقة على التفاوض بشأن تسوية سياسية تشمل إيران.

وهناك روسيا التي أعلنت عن بيعها صواريخ متقدمة لإيران بعد خمس سنوات من التوقف، وهو ما سيعزز مناعة منشآتها النووية ضد أي هجوم، وأيضًا لم يكن هناك أي رد فعل من أوباما. وكذلك الموقف من سوريا حيث تبنت أميركا سياسة عدم الاقتراب من نظامٍ وصفه وزير خارجيتها بأنه “دمية إيرانية” بعد الإصرار لسنوات على ضرورة تنحي الرئيس بشار الأسد.

وهناك أيضًا قائد قوة القدس الإيرانية قاسم سليماني، قائد المليشيات الشيعية التي قتلت مئات الأميركيين أثناء حرب العراق، لا يزال يعمل بحرية في أنحاء العراق متباهيا بهيمنة بلاده بمساعدة غطاء جوي أميركي.

لقد آن الأوان أن تستبدل الولايات المتحدة بسياسة الإكراه سياسة التحاور. وهذا يشمل احترام الاحتياجات التكنولوجية الشرعية لإيران وإنهاء العقوبات لتجنب إيذاء الطبقة المتوسطة، عوضًا عن التضييق على أنشطة إيران النووية «المشبوهة».

إيران تأكل من صنع يديها وتتحرك بين المربعات بخفة:

لا تعتمد إيران على أية معونة مالية أو عسكرية البتة، بل إنها تقوم بشراء الأسلحة من الدول التي تتعاون معها في هذا المجال كروسيا والصين ثم تقوم بصناعة مثيل لها بواسطة خبرائها المحليين، فهي تمتلك صواريخ عابرة للقارات وترسانة ذخيرة تكفيها للصمود سنينَ، وكانت على مشرفة من امتلاك سلاح نووي حقيقي.

تمتلك إيران نحو مليون جندي مدرب على أعتى أنواع الأسلحة، ونحو 1600 دبابة، وعشرات من طائرات الاستطلاع، وآلاف المدافع بأشكالها وأنواعها.

حاليًا تعتمد منظومة الدفاع الجوي الإيرانية بشكل أساسي على سلاح مدفعية مضادة للطائرات متقادم، وصواريخ سام من طراز SA-2، وSA-4، وصاروخ HQ-7، وصواريخ Crotale الفرنسية، وi-hawk، وRapier البريطانية. كما تمتلك أعدادًا ضئيلة من الصواريخ الروسية الحديثة مثل:  TOR M1 (SA-15)، وPantsir s1 (SA-22). هذا بالإضافة إلى امتلاك إيران حوالي 250 طائرة مقاتلة من طرز مثل: F-4، وF-5، وF-7 الصينية، وMIG-29 ومن جانبٍ آخر، شرعت إيران خلال سنيِّ أزمة تسليم منظومة S-300 لإيران، في تصنيع منظومة دفاع جوي خاصة بها شبيهة بمنظومة S-300، أطلقت عليها اسم باور-373.

ويأتي هنا سؤال يُطرح بقوة؛ هل يعني أن طهران تدير ظهرها لمن بيده بقاؤها؟ الإجابة قطعًا لا، سدة الحكم في إيران عاقلة وتعرف مصيرها جيدًا ولم تمتلك القوة التي تؤهلها بعد لأن تقطع صلتها تمامًا بواشنطن.

في الواقع، إن هذا النضج في الموقف الإيراني ليس ظاهرة جديدة. فخلال العقدين الماضيين، تكرر هذا الموقف في مواقف منفصلة، ولكن ليس بهذا الوضوح. إن السلوك الإيراني في المنطقة يظهر تاريخًا من الجنوح إلى السلم وحل المشكلات. على سبيل المثال، التعاون الإيراني الخفي مع الولايات المتحدة خلال الحرب على طالبان، وتهدئتها وتحكمها في المتطرفين الشيعة في العراق، ودورها كوسيط بين أذربيجان وأرمينيا، وإجبارها نظام الأسد على الانضمام إلى معاهدة الحد من انتشار السلاح الكيماوي وتفكيك ترسانته الكيماوية، وموقفها الثابت ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق، وتجنبها التشدد في المواقف فيما يخص عددًا من مشكلات المنطقة، بدءًا من الشيشان وصولًا إلى انتفاضة البحرين. كما أن السلوك الاحترافي للبحرية الإيرانية والأميركية في الخليج الفارسي في العقدين الأخيرين هو مثال آخر على إمكانية التناغم والتعاون في المنطقة.

كما تلعب إيران بين المتناقضات التي تجمع بين روسيا وأمريكا وبين الصين وأمريكا، وهذا ما أكده مؤخرًا رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، اللواء حسن فيروز أبادي، حين قال “عدو عدوي هو صديقي”، في إشارة إلى التوترات بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

الإيرانيون يسمعون ويطيعون:

يتبع النظام السياسي في إيران قواعد دينية صرفة، ولاؤها لإمام هو المؤسس ومن بعده جاء من يقوم مقامه في قيادة الدولة ويكون المرجع الديني والسياسي إلى جانب آخرين ممن هم أهل للثقة لقيادة دولة إيران الإسلامية؛ ورغم التحول إلى الحياة الديمقراطية نرى معارضين وحكومة ما زالت الكلمة الطولى لولاية الفقه أو الإمام الأكبر.

ولم تؤد فقط العقود الطويلة من الأوضاع الاقتصادية الصعبة، أو ثماني سنوات من الحرب الدموية مع العراق، أو التناحر الداخلي بين الفصائل المختلفة؛ إلى كبح إيران عن تصدير ثورتها الإسلامية. وتعمل إيران على دعم الشيعة أينما حلوا؛ فتقوم بمد يد لها في اليمن من خلال الحوثيين، وتقف بكل قوة للعلويين في سوريا، وصنعت قوة جبارة ويمكن وصفها بأنها دولة داخل الدولة في لبنان، وأسست حركة الصابرون الشيعية في غزة برغم أنها تلاحق من قبل حركة حماس السنية هناك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست