إذا كنت مستثمرا أو متابعا جيدا للأخبار الاقتصادية اليومية، فإنك وبلا شك قد تشاهد الصين في كوابيسك، وربما تكتشف بعد أيام أنك تحمل فيروسا جديدا يسمى “تباطؤ اقتصاد الصين” حيث لا يكاد يكتب أو يتناقش الاقتصاديون في الآونة الأخيرة بدون ذكر الصين من قريب أو من بعيد، ولكن هل فعلا العيب في الصين؟!

في الحقيقة المتابع لما يحدث في الصين يجد العجب، فقد أنهت الصين العام الماضي ببيانات مبهرة جدا، حيث تجري الحكومة الصينية مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية، وسأتحدث عن هذه الإصلاحات لاحقا، ولكن دعونا ننظر إلى جانب من البيانات التي لفتت انتباهي بشكل كبير، فقد نشرت صحيفة “إيكونوميك تايمز” الهندية في نهاية العام الماضي تقريرا يتحدث عن الإصلاحات الصينية، وقال التقرير إن الصين تنشئ أكثر من 10.000 شركة يوميًا في إطار الإصلاحات الجديدة التي بدأتها الحكومة لوقف التباطؤ الاقتصادي.

وذكرت الصحيفة أن حوالي 6 ملايين شركة ناشئة قد أنشئت حتى الآن، وفقا لما ذكره شين جوبين نائب وزير الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصيني، مضيفا أن معظم الشركات تتمثل في مشروعات صغيرة، وذلك خلال الفترة الممتدة من مارس وحتى نهاية أغسطس 2015.

وقال جوبين أن الحكومة الصينية أقدمت على خفض الضرائب والرسوم، مما ساعد الشركات الصغيرة على توفير حوالي 48.6 مليار يوان (7.93 مليارات دولار) في النصف الأول من 2015، كانت هذه البيانات غاية في الروعة ومبشرة إلى حد كبير برغم النظرة السلبية الطاغية على الوضع الصيني.

عموما ظلت الأوضاع إلى حد ما ساكنه حتى نهاية 2015، وانفجرت الفقاعة مع مطلع 2016، فما هي إلا سويعات من العام الجديد وتفاجأ العالم بانهيارات حادة بالأسهم الصينية، ثم تبعتها باقي الأسواق العالمية، ثم أعلنت الصين عن معدل نمو اقتصادها في 2015، وقالت إن الاقتصاد نما بنسبة 6,9%، وهو النمو الأدنى في الصين منذ ربع قرن، لكنه أعلى من توقعات النقد الدولي بـ 0.1% وأقل من المستهدف الحكومي بـ 0.1%، حيث إن النقد الدولي توقع 6.8% وكان مستهدف الحكومة 7%، نظريا الفارق صغير، ولكن لماذا كل هذه الجلبة؟!

بالطبع مكانة الصين الاقتصادية في العالم وما أدراك ما الصين، فهي صاحبة الناتج المحلي الذي يبلغ نحو 10,3 تريليونات دولار 11% من الناتج الإجمالي العالمي، ويتوقع أن يصعد إلى 40% من ناتج العالم بحلول 2040، كما تمثل على مستوى التجارة العالمية حوالي 10% من حركة التجارة وأكبر مستورد للسلع الأساسية “نفط وغاز ومعادن”، والأولى عالميا فيما يخص الاستثمارات الأجنبية، كل هذه الأسباب تدل لماذا بيانات الصين حساسة بالنسبة للأسواق العالمية والاقتصاد العالمي.

ولكن هل العيب فعلا في الصين؟! النقد الدولي توقع نمو اقتصاد الصين بنسبة 6,3% في 2016، وهذا التوقع كفيل بهزة اقتصادية عالمية ضخمة خلال هذا العام، والأهم من ذلك أن عددا كبيرا جدا من الاقتصاديين يرون أن بيانات الحكومة الصينية مضللة وغير حقيقية وبها تدخل سياسي واضح، وأن نمو الاقتصاد الصيني أضعف مما أعلنته الحكومة.

هذا النظرة إن كانت حقيقية فإن ثاني أقوى اقتصاد في العالم يواجه تباطؤ اقتصادي حاد، بل ذهب البعض إلى أن الاقتصاد الصيني يتجه للهاوية، وهذا يؤدي غالبا إلى ذعر مالي عالمي وهو ما يحدث منذ مطلع 2016، وهذا العام يمثل عنق الزجاجة للتنين الصيني، وفي حال خرجت منه بدون سقوط حاد، سيكون المستقبل أفضل لكن الاقتصاد الصيني فعلا معرض للانهيار الحاد في أي لحظة، بمعنى أن العالم في انتظار كارثة اقتصادية.

كل هذه المعطيات تقول إن العيب في الصين، ولكن دعونا ننظر إلى الأمر من زاوية مختلفة بعض الشيء، فقد توقع صندوق النقد الدولي مؤخرا أن يكون عام 2016 عاما تتغير فيه خريطة القوى الاقتصادية العالمية، إذ ستقترب الصين من أن تصبح أكبر اقتصاد في العالم وتتفوق على أمريكا، حيث قال النقد أنه بحلول عام 2018، يُتوقع أن يصل حجم الاقتصاد الصيني إلى 13 تريليون و760 مليار دولار، وأن يصل ناتجها المحلي إلى 40% من الناتج الإجمالي العالمي عام 2040 ليتخطى اقتصادها الاقتصاد الأمريكي بفارق كبير.

مثل هذه التوقعات لا تسعد الأمريكان فهم يريدون الصدارة أطول مدة ممكنة، ودائما ما يلعبون اللعبة التي تتهم بها الصين الآن، وهي البيانات غير الحقيقية، ولكن هل يمكن أن يصل الأمر بالأمريكيين إلى محاولة زعزعة الاقتصاد الصيني للمحافظة على الصدارة؟!

فبحسب تقرير حديث نشرته صحيفة “ستريت تايمز” السنغافورية، فإن 25% من شركات أمريكا العاملة في الصين تسحب عملياتها خارج البلاد أو تخطط للقيام بذلك، في الوقت الذي ساءت الأوضاع الصينية، الصحيفة نقلت تلك البيانات عن بيان لمجموعة من رجال الأعمال الأمريكية، بالإضافة إلى ما ذكرته دراسة خاصة بمناخ الأعمال السنوي، أجرتها غرفة التجارة الأمريكية في الصين أن أكثر من 77% من المستجيبين أصبحوا متشائمين بالأوضاع في الصين.

أثرياء الصين أيضا لم يختلفوا كثيرا عن الأمريكيين؛ حيث قاموا بتهريب أموالهم إلى الخارج تحسبا لأي مخاطر مفاجئة.

في النهاية يجب أن نعلم أن الزج بالصين نحو الهاوية لن يسقط الاقتصاد الصيني فحسب، بل ربما تتضرر بعض الدول أكثر من الصين ذاتها، فأكبر المتضررين ستكون الدول التي لها علاقات تجارية وثيقة مع الصين، سواء الدول المتقدمة كألمانيا وروسيا واليابان بالإضافة إلى كل الأسواق الناشئة، فيما ستكون السعودية أكبر الخاسرين عربيا ثم عمان والعراق، ناهيك عن إفريقيا التي أصبحت الصين لاعبا محوريا فيها.

خلاصة الأمر، الاقتصاد الصيني مريض ويحتاج إلى محاولات عالمية جادة لإنعاشه وذلك لمصلحة العالم وليس لمصلحة الصين وحدها، فكل المعطيات والتوقعات لا تبشر بالخير، فالضعف الاقتصادي، والذعر المالي، والاستجابة السياسية لهاتين المشكلتين بشكل غريب يجب أن يتوقف، ويجب أيضا أن نوقف تلك التوقعات السيئة التي أرى أنها تشكل النسبة الأكبر من الكارثة المرتقبة، فأنا في الحقيقة أتفق تماما مع مفهوم “الانعكاسية” الذي تحدث عنه رجل المال جورج سوروس قائلا: “إن الأسواق المالية قادرة على خلق توقعات غير دقيقة ثم تغيير الواقع بحيث يتوافق معها”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست