إذا كنت قد ولجت لقراءة هذا المقال معتقدًا أن هناك خطأ في كتابة العنوان وأن كلمة الكاندم قد كتبت خطأ وأن العنوان الصحيح هو “معركة الكوانتم” فيؤسفني أن أصيبك بالإحباط فالعنوان الموجود في أعلى المقال هو عنوان صحيح ومقصود مائة بالمائة.

أما نظرية الكوانتم التي تم استدعاؤها في مخيلتك عندما قرأت العنوان فمحل ذكرها ومناقشتها في مواضع وأماكن ومجتمعات أخرى حيث تم الانتهاء من ركام هائل من الإشكاليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك من تجليات التخلف ونتائج الجهل والاضمحلال الخلقي والمعرفي.

أخي القارئ العزيز من الممكن ان تقرأ عن الكوانتم في مجلات علمية تصدر في بلاد العالم المتقدم في أمريكا وأوروبا واليابان، أما هنا فيجب أن توطن نفسك على أن تسمع وتشاهد وتناقش وتلقي بدلوك في مشكلة أكثر أهمية وأبعد تأثيرًا، ألا وهي معركة الكاندم.

في يوم 25 يناير عام 2011م اندلعت الثورة في مصر، قامت الثورة على الفساد والمحسوبية والظلم الاجتماعي وخلال خمسة أعوام كاملة تغيرت الأحداث فتعاقبت الدساتير والرؤساء وقتل المئات في الميادين والشوارع وزج بالآلاف في غياهب السجون.

كانت السياسة هي المحرك والدافع للأحداث، آباء اختلفوا مع أبنائهم وإخوة قاطعوا إخوتهم وأزواج فارقوا أزواجهم، كل ذلك وأكثر حدث بسبب اختلاف التوجه السياسي والفكري.

وبعد كل تلك الأحداث وبعد خمسة أعوام وفي الذكرى السنوية لما تبقى من ذكريات ثورة فاتت ولم يبقَ منها سوى الذكريات، نجد الرأي العام ينشغل بمسألة في غاية الأهمية والخطورة وأقصد بها الفيديو الذي قام بتصويره اثنان من الشباب في ميدان التحرير وبه استهزاء واضح بأفراد الشرطة.

ولي عدد من الملاحظات على هذا الفيديو.

أولًا

أن مجرد المقارنة بين حال ذلك المجتمع الآن مع حاله من خمس سنوات مضت لكفيلة بإبراز الأوجه السلبية التي تتزايد يومًا بعد يوم ويتفاقم خطرها بشكل مطرد.

فما بين الحالتين يظهر مجتمع متخلف بائس عاجز أثبتت الأيام أنه غير جدير بأهليته السياسية ولا بصلاحية أفراده لممارسة ما يمارسه غيرهم في باقي المجتمعات من ممارسة السياسة بطريقة ديموقراطية سليمة.

ثانيًا

أثبتت المناقشات الدائرة حول الفيديو أن هناك عددًا من القواعد والثوابت التي تؤثر كثيرًا في المعادلات السياسية-الفكرية في مجتمعاتنا والتي يجب أن يتم الالتفات إليها والتنبه لها في أي حراك سياسي مستقبلي.

المجد للأقوى، المجد للأشد تعصبًا والأكثر راديكالية.

من ساءهم الفيديو اعترضوا بشدة وبعنف، طالبوا بنفي منفذيه وبسجنهم وتأديبهم بل طالبت بعض الأصوات بسحقهم بلا رحمة ولا شفقة وتدمير مستقبلهم بل وبإعدامهم إن تطلب الأمر.

أصحاب ذلك الرأي اعتقدوا وآمنوا ان السخرية من مجند بسيط هو في حقيقة الأمر سخرية من الداخلية ومن ثم الجيش، اعتقدوا أن السخرية تطول الدولة كلها، ولذلك نراهم لم يفكروا كثيرًا ولم يقيدوا أنفسهم بقيود متخيلة من حرية الإبداع وحرية الإعلام ومدى قانونية الفعل من عدمه.

هؤلاء لم يضعوا أنفسهم مكان منفذي الفيديو ولم يلتمسوا لهم سبعين عذرًا، ولم يحاولوا أن يمسكوا العصا من المنتصف ولا أن يلونوا الصورة باللون الرمادي المحبب للكثيرين.

على الجانب الآخر نجد الكثيرين ممن يطلقون على أنفسهم اسم الثوار من مؤيدي الشرعية ومناهضي الانقلاب قد سارعوا بالدفاع عن منفذي الفيديو واحتفوا بهم واعتبروهم شركاء في الثورة والنضال واخوة لهم في المعركة ضد سلطات الدولة الغاشمة.

ومن هنا وهناك ظهرت مبررات تتذرع بحرية التعبير والحق في إبداء الرأي وحرية الإبداع والإعلام وسط جو عام من الشماتة في هيبة الدولة التي طالتها السخرية والاستهزاء.

ثالثًا

الخلاف بين الفريقين السابقين يبين سبب وصول المعركة بينهما إلى النتيجة الحالية.

الفريق الأول (مؤيدو 30 يونيو وحكم السيسي) لا يلتزم بأي معايير أو قيم تخرج عن النطاق القيمي الذي يؤمن به ويقتنع به من البداية، فهم يؤيدون باسم يوسف عندما استهزأ بالرئيس محمد مرسي ويغضبون عليه عندما حاول أن يمس الرئيس عبد الفتاح السيسي.

تساءل أحدهم عن السبب والمنطق في ذلك فيجيب بكل بساطة وبكل براءة أنه أيد الهجوم على مرسي لكونه لا يحبه وأنه رفض هجوم باسم يوسف على السيسي لكونه يعشقه ويرى فيه تشخيصًا لصورة الدولة القوية التي لطالما حلم بها.

هو إذن لم يحاول أن يمنطق المسألة ولا أن يجد لها مبررات خارج ثقافته ومعتقداته ولذلك جاء رأيه في المسألة بسيطًا واضحًا قاطعًا.

أما الفريق الثاني (الإخوان المسلمون وتحالف دعم الشرعية) فقد ألزم نفسه بالكثير من المعتقدات والأفكار والقيم الخارجة عن الإطار القيمي الذي يؤمن به ويميزه عن غيره.

فعلى مدار عشرات الاعوام المتتالية تطورت نظرية الإسلام السياسي في مصر وتلونت بالكثير من الألوان حتى صار اللون المميز لها هو اللون الرمادي الذي تكون من اختلاط عدد من الألوان المتناقضة والمختلفة.

أدت تلك الرمادية المطلقة في غياب الكثير من الأفكار والمعتقدات التي يجب أن تكون معتقدات مؤسسة وذاتية الحكم على نفسها، فأصبحت كل أفكار ومعتقدات هذا الفريق تحتاج إلى ما يؤيدها ويساندها ويبررها من خارج النطاق القيمي الخاص بالفريق.

أصبحت كل القيم نسبية ولا توجد فيها قيم مطلقة، فالتنازلات المستمرة التي قدمتها جماعة الإخوان المسلمين مع الدولة من جهة ومحاولاتها الدؤوب لجمع شمل التيارات السياسية الإسلامية المختلفة ودمجها في كيانها من جهة أخرى، قد خلق من تلك الجماعة مسخًا مشوهًا لا وجه خاص له، بل يمكنه أن يظهر بعدد من الوجوه التي يتم تبديلها وتغييرها حسب الحاجة وتبعًا للضرورة.

أتذكر أن الكثير من أعضاء الإخوان المسلمين كانوا ينتظرون مشاهدة برنامج باسم يوسف الساخر –والذي كان في معظمه موجهًا لمهاجمتهم – وعلى وجوههم ابتسامة دبلوماسية رصينة، ابتسامة تعلن بوضوح استعدادهم لسماع الاستهزاء بهم بل والمشاركة في هذا الاستهزاء إن لزم الأمر لتوضيح موقفهم من قبول الآخر وسماع المعارضة وسعة صدرهم التي ليس لها حدود وكل تلك الأكاذيب والترهات التي لا يؤمنون بها في الحقيقة ولكن يحرصون على ترويجها بين مخالفيهم للدعاية لأنفسهم ليس إلا.

فريقين إذن هما، فريق ينفذ ما يعتقده ويضرب ما لا يؤمن به بعرض الحائط، وفريق يحرص على رضا الناس حتى ولو لم يرضِ نفسه.

رابعًا

بعيدًا عن موقف الفريقين السابقين من الفيديو، هل يستحق هذا الفيديو كل هذا الصخب؟

ممثل لم يشتهر إلا بتمثيله مع فنانات من نوعية غادة عبد الرازق ومن شابهها ومقدم برامج إنجازه الوحيد هو مشاركته في برنامج ساخر لدمية متحركة، هل هؤلاء فعلًا هم أفضل أمثلة للتعبير عن الثورة والثوار؟

في بلد يقبع الآلاف من شبابه في غياهب السجون وتحت أرضه تم دفن آلاف الجثامين التي لفظ أصحابها أنفاسهم الأخيرة وهم يدافعون عن معتقداتهم وما يؤمنون به، هل انتهت كل تلك الأمثلة للتدليل على روح الثورة حتى نأتي بنموذجين من أكثر شباب مصر ميوعة ورقاعة ورفاهية وفسادًا لإظهار وجه الثورة؟

إذا كنت من مؤيدي الشرعية والشريعة فهناك من هو مثل حسام أبو البخاري وخالد حربي أجدر بك أن تدعمهم وتؤيدهم وتغضب لهم، وإذا كنت من مؤيدي حرية التعبير والإبداع فيوجد الكثير من الأمثلة التي قد تكون في حاجة لتشجيعك ومنهم علاء عبد الفتاح وأحمد ماهر وغيرهم.

إما أن تترك كل تلك الأمثلة – والتي قد نتفق أو نختلف معها – وتتشدق بكل المبادئ والقيم للدفاع عن أصحاب موقعة الكاندم فهذا ما لا أستسيغه ولا أفهمه.

وهل من مصلحة الإخوان ومن تبعهم أن يظلوا على نفس المنهج الذي يهتم بطول الصف وحشد الأنصار من حولهم بغض النظر عن المعتقد والعقيدة ونقاء الفكر وخصوصيته، خصوصًا وأن ذلك المنهج قد أثبت فشله الذريع من قبل؟

ونهاية هل انتهت كل مشاكلنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الطاحنة حتى تقوم وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بإفراد مساحات واسعة من التغطية لتلك المعركة التي عرفت إعلاميًّا بمعركة الكاندم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست