ربما لاحظتم أن عنوان هذا المقال مشابه لعنوان البرنامج الذي أطلقه الداعيه عمرو خالد في العام الهجري المنصرم المسمى الإيمان والعصر وخرج علينا (وليس هذا المقال في نقده) في هذا البرنامج وأخذ يرد على شبهات الملحدين في بعض الحلقات القليلة فقط رغم أن موضوع الإلحاد يحتاج إلى دراسة أكبر وأعمق من هذا، ربما له عذره في هذا الإقلال في المناقشة ولكن ما ليس له أو لغيره عذر فيه هو تتفيه الأفكار المناهضة له.

رأينا الدكتور يقوم بمعاملة الملحدين كأنهم مرضى والتحدث عن الإلحاد كأنه مرض وليس فكرة. ثم بدأ بالرد على الملحدين بردود للإمام أبوحنيفة وغيره من علماء التراث فكانت الردود قديمة عفا عليها الزمن ولم تضاهِ حجج الملحدين فهو لم يأخذ في اعتباره عصر الإمام وضعف العلم فيه. وأن العصر اختلف وحجج الملحدين يمكن أن تكون تغيرت بل بالعكس تطورت وتم تقويتها بيد الثورات العلمية الحديثة وأصبح من اللازم إيجاد طرقٍ جديدة أكثر قوة وصلابة وتجانسًا للرد على هذه الشبهات الجديدة وهذا ما لا يملكه عمرو خالد أو غيره هنا حاليًا. وهنا يطرح سؤال نفسه وإجابته متروكة لك عزيزي القارئ، هل نبحث عن الردود أم نبحث عن الحقيقة؟

لماذا ألحدوا؟

“لماذا ألحدوا؟” لنجيب على هذا السؤال لابد أن أسأل سؤالًا آخر هو “من ألحدوا؟”، “في أي الأوساط يكثر الإلحاد؟” منذ فترة عندما انصب اهتمامي على هذا الموضوع لاحظت أن معظم الملحدين يتواجدون في بيئة علماء الطبيعة بكل فروعها فمنذ تشارلز داروين وألفريد والاس وحتى فيرنرهايزنبرج وبول ديراك إلى الآن والإلحاد يعتبر دين العلماء فلو نظرت سوف تجد مثلا في فرع مثل علم الأعصاب هناك سام هاريس وفي البيولوجيا سوف تجد ريتشارد دوكينز وفي الفيزياء سوف تجد أشخاصًا مرموقين أمثال كارل ساجان ولورانس كروان وستيفن هوكينج وغيرهم.

هل تعلم أن الآباء المؤسسين لميكانيكا الكم كانوا ملحدين؟ هل تعلم أن أينشتين نفسه كان ملحدًا إذا نظرنا بوجهة النظر العامة عن الإلحاد. أعتقد بعد سماع هذه الأسماء يمكن أن تتغير وجهة نظرنا التي أخبرنا بها رجال الدين عن مدى تفاهة فكرة الإلحاد. إذا اتفقت معي يمكننا بعد هذه الملاحظة أن نتوجه لسؤال “لماذا ألحدوا؟”، العلم بكل بساطة يهتم بالظواهر المادية التي يمكن ملاحظتها وقياسها والاستنتاج منها وبناء النظريات والقوانين على هذه الظواهر. إذا لا بد أن يستطيع العلماء ملاحظة أمر ما حتى يبدأون دراسته والإيمان به وهو ما لا يتواجد في الأديان التي تعتمد على الإيمان بالغيبيات بدون دلائل.

ما لا يستطيعه العالم كما أقول دائمًا هو أن يخلع ردائه العلمي عندما يخرج من معمله ويرتديه عندما يدخل المعمل مرة أخرى إن طريقة التفكير السليمة بالنسبة له هي طريقة واحدة وهي باستخدام الأسلوب العلمي الدقيق ربما يشعر أنه منافق إذا فكر بهذه الطريقة هنا ولم يستخدمها هناك. وهذا الفرق هو تعارض في البنية الأساسية للعلم والإيمان وبالتالي لا يمكن خلطهم بالنسبة لهؤلاء العلماء فأفكار مثل الجن أو الملائكة أو غيرها هي مجرد خرافات.

إرجاعك لأن النيازك والشهب تضرب الأرض فقط لأن الجن يقعد منها مقاعد للسمع هي بالنسبة لهم محض هراء فهم يعلمون أن السبب الحقيقي لهذا الشيء هو تقاطع مسار الأرض مع مسار أحد المذنبات أثناء دوران كليهما حول الشمس واختراق قطع صغيرة منه للغلاف الجوي للأرض مما أدى إلى اشتعالها وليس أنه سوف يصطدم بالشياطين التي تترصد السماء. ثم أن فكرة السماء نفسها عندهم هي فكرة سخيفة لأنه في الكون لا يوجد سماء. مسمى كلمة سماء جاء لأنك تسكن الأرض فقط، خروجك للفضاء يجعل المكان كله بالنسبه لك غير معتمد على الاتجاه كما يطلق عليها في الفيزياء، “أي لا يوجد شمال أو جنوب أو شرق أو غرب أو فوق (سماء) أو تحت”. ربما اتخذ البعض طريقًا آخر بأن رأى أن الأديان مليئة بالتناقضات. ولكني أرى أن الطريق الأول أقوى وأكثر تماسكًا.

لماذا إذًا يكرهون الأديان؟

لماذا يكره الملحدون الأديان؟ هو سؤال وجيه جدًّا ربما يكون مفيدًا لنا لنفهمهم. الملحدون يكرهون الأديان لأن لهم تاريخًا أسود معها (الأديان). بالنسبة لهم الأديان تمثل أشياء كثيرة سيئة بجانب اعتبارهم إياها خرافة أتت إلى العالم لأن الإنسان لم يكن يستطيع فهم الكون فبدأ بتفسيره تفسيرات تلائم عقله في ذلك الوقت فمثلا عندما رفع البشر أعينهم إلى السماء ولاحظوا خسوف القمر أو كسوف الشمس فسروا ذلك (على حسب ثقافتهم) أنه ربما هناك قوى شريرة حجبت عنهم النور أو ربما غضب من الآلهة ربما عندما شاهدوا المذنب فظنوا أن قدومه عليهم يعني الدمار والخراب.

في هذا الوقت اتجه البشر لعبادة قوى الطبيعة وتقديسها مثل النار، الماء، الرياح، الشمس والقمر، وكل هذه الظواهر استطاع العلم تفسيرها فيما بعد ولكن بعدما لاقى العلماء الأمرين في محاولاتهم لإفهام الناس وهذا هو السبب الثاني وهو أنهم (أي العلماء أو الملحدين) لاقوا ألوانا من العذاب لأرائهم. فقتلت هيباتيا عالمة الرياضيات في الإسكندرية على يد المتطرفين الدينيين بعدما تم سحلها في الشوارع عارية وتقشير جلدها المسلوخ بأصداف البحر ورجمها وإحراق جثتها. وعندما قام جاليليو بمناصرة نظام كوبرنيكوس تم تعذيبه وحبسه وكاد أن يعدم لولا أن تم سحبه على وجهه ليعترف أمام محاكم التفتيش أن الأرض لا تدور حول الشمس وإن كانت تدور حقًّا.

أيضا عندما أحرق جيوردانو برونو بسبب آرائه عن الكون أنه ربما بالغ الاتساع وربما فيه شموس كشموسنا وكواكب ككوكبنا ويمكن أن تكون هناك حياة على هذه الكواكب مثل الحياة على الأرض فصبوا عليه ألوان العذاب وأحرقوه لمجرد رأي. مأساة قتل الحلاج في العصرالإسلامي وتقطيع أوصال بن المقفع وشيها أمامه وإطعامه منها حتى مات، وتكفير معظم العلماء النوابغ الذين نفخر بهم مثل ابن سينا وابن رشد والفارابي وغيرهم ولولا قربهم من الحكام للاقوا نفس المصير.

إن الملحدين يرون الأديان هي أساس كل شر وهي أفيون الشعوب. فالإيمان بالنصوص القابع في قلب الأديان بالنسبة لهم هو سبب كل المهازل والدماء المسفوكة على سطح الأرض إن لم يكن السبب الرئيسي فإنه عامل مساعد. فكم من ملك استغل الإيمان لتحقيق أغراض شخصية وكم من سلطة قامت بتحويل الدين لسوط تضرب به ظهور الأبرياء. لذلك هم يرون أنه إذا تخلى البشرعن فكرة الأديان يمكن أن يعيشوا حياة مليئة بالتسامح والتعاون والازدهار.

هل فعلا الأديان هي السبب في كل هذا؟

ربما يكون رأيي صحيحًا، ربما يكون خاطئًا، ولكن الشك في رأيي هو ما يجعلني إنسانًا قبل كل شيء. أنا أرى أن الشك هو أساس الإنسانية وهو القلب واللبنة الأولى للعلم. الشك يجعلك إنسانًا أفضل لأنه دائمًا ما يجعلك تتأنى قبل إصدار الأحكام على الناس. يجعلك تفكرمرتين قبل أن تطلق سهام الكراهية المسمومة على المخالفين لك في الرأي.

الإيمان فعلًا يمكن أن يكون سيفًا قاتلا على رقاب الأبرياء إذا لم يصاحب على الأقل بلحظة من الشك، هل ما أفعله صحيح؟ وما الذي يحدد الصحيح والخطأ بالنسبه لي؟ الإجابة على هذه الاسئلة ليست سهلة ولكنها تمنحك جرعة صحية من الشك.

ولو تابعت سوف تجد أنه هناك لحظات كثيرة تم فيها استخدام الإلحاد أو حكمت فيه حكومات ملحدة بمعنى الكلمة وارتكبت جرائم قاسية مثل حكم ستالين في الاتحاد السوفييتي. إذًا المعركة هنا ليست معركة بين الأديان والإلحاد المعركة هي معركة بين الإيمان والشك. الإيمان يمكن أن يكون إيمانًا بأي فكرة والشك يمكن أن يكون الشك في أي فكرة.

وإذا أمكننا رؤية الأديان كفكرة مثل أي فكرة مثل الإلحاد مثل غيرها يمكن استغلالها في صالح من لديهم نفوس مريضة وليست لديهم الضمائر ممن يريدون السيطرة على الناس وحكمهم واستغلالهم. فيمكننا تنقيح هذه الأفكار بالشك ولو للحظات والاعتماد على إنسانيتك في الحكم. يمكننا تصحيح هذه الأفكار بالإيمان بحرية التفكير والتعبير وبكفالتهم لغيرك و بإيمانك بضرورة تجانس القوانين التي تحكم عقلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست