هل أنت من محبي السينما والأفلام عموما؟! حسن أنت بالتأكيد قد لا تعلم هذا, ولكنك تعرضت للخداع بالفعل أكثر من مرة, وذلك عندما تقوم بالاعتماد على أية معلومات قد شاهدتها في الفيلم -بدون التأكد من مصادرها- فليس كل ما يعرض في الأفلام قد حدث بالفعل (خاصة تلك التي يكون أحد أطرافها مسلم), في الوقت الذي أصبحت فيه صناعة الأفلام يصاحبها أهداف سياسية, دينية, أو حتى اجتماعية – اللهم إلا أفلام السبكي– فأصبحت الأخطاء فيها تُشكل زيفا متعمدا للتاريخ في بعض الأحيان, ومغيرةً في العقيدة في أحيان أخرى, في وقت أصبح فيه اعتماد غالبية الأجيال الحالية نسبيا على التلفزيون, الإنترنت, الهواتف الذكية, وفي وقت أصبحت فيه أمة اقرأ لا تقرأ.

فما بين أفلام تاريخية, دينية, أو حتى سياسية تجد أحيانا تكرارا لبعض الأخطاء بشكل يدعو للريب -خاصة الأخطاء الدينية- فالعرب دائما في أفلام هوليوود حمقى أثرياء ولا تفكير لهم إلا في النساء, أما الأفلام الدينية فتجد الكفار دائما أصحاب لحًى طويلة مع بعض الشعر المنعكش, في هيئة أقرب إلى إسلاميي اليوم, بينما تجد المسلمين أقرب منهم إلى الليبرالية من الإسلام, وتجد أيضا الأصنام فيها على هيئة شياطين ذات قرون, ولا أعلم هل كان كفار قريش مرضى نفسيين حتى يخلُقوا آلهتهم بهذه الصورة المقيتة, أم أن السيد المخرج تفضل علينا بهذه الصورة ليكرهنا في عبادة الأصنام.

ولنتناول بعض المشاهد من الأفلام الدينية لعل الفكرة تصل إليك بطريقة أسرع


ما زلت إلى اليوم أتذكر هذا المشهد, الذي يدخل فيه أحد عبيد قريش مسرعا إلى مجلس السادة, ويصرخ بأعلى صوت “يا سادة قريش, لقد أسلم عمر بن الخطاب” ليتبع ذلك مشهد دراماتيكي, وأحد المسلمين يصدح بأعلى صوته من فوق الجبل مرددا الأذان “الله أكبر, الله أكبر”.

ولكن هنا تكمن المفاجأة, فالأذان لم يفرض إلا في المدينة أي بعد هجرة النبي صلي الله عليه وسلم إليها -أي بعد ما يقارب 8 سنوات من إسلام عُمر- ولكن مخرج الفيلم لم يجد مشهدا ليدلل به على عزة الإسلام, بعد إسلام عُمر, إلا بإعلاء صوت الأذان, في معقل ديار الكفر.

إذا قمت بالحديث أمامك عن الهجرة النبوية فأول ما سيخطر في مخيلتك رسمة واحدة, والتي تتضمن الغار المنسوج على بابه خيوط العنكبوت وبجواره عُش صغير والحمام يرقد على البيض، لكني يؤسفني أن أحطم خيالاتك تلك، فهي لم تكن صائبة, فقصة العنكبوت والحمامة لم تحدث في الواقع وتم تضعيفها من العلماء.

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

هل ما زلت تتذكر هذه الأنشودة؟! بالتأكيد فمن منا لم يحفظ هذا النشيد الرائع وما زال يتذكر كلماته, ولكن هنا تكمن المشكلة, فأهل المدينة لم ينشدوا هذه الكلمات, ترحيبا بمقدم النبي صلي الله عليه وسلم, إذا ما أضفنا في الحسبان أن ثنيات الوداع ليست في الطريق من مكة إلى المدينة.

(ملحوظة: هناك رواية تشير إلى مكانها على طريق مكة – المدينة ولكن الأنشودة لم ترد في كتب الحديث الصحيح).

وطبعا ليس هناك داعٍ لأن أعيد تُذكيرك أن الشيماء لم تكن المغنية, التي تغني في مجالس الرجال, ولنتجاوز مسألة عمر بن الخطاب في فيلم الرسالة لنتجنب فتح باب للجدال, لن يوصلنا لشيء في الوقت الحالي, ولننتقل إلى جزء أهم.

الأفلام التاريخية (الناصر صلاح الدين مثالا)

“عزيزى القارئ إذا قمت باستياق أية معلومة من معلوماتك التاريخية عن صلاح الدين من هذا الفيلم فحتما أنت في مشكلة كبرى”.

لقد قمت باختيار فيلم الناصر صلاح الدين؛ لأنه يمثل نموذجا رائعا لكيف يتم تزييف التاريخ, وقد لا أستبعد أن يكون اسم الناصر الموجود في أول الفيلم, هو مجرد محاولة برئية لتشبيه جمال عبد الناصر بصلاح الدين, في وقت كانت فيه القومية العربية متصدرة للأحداث في السياسة الداخلية المصرية -أنُتج الفيلم عام 1963- والنتيجة كانت أن خرج لنا فيلم علماني مليء بدعوات القومية, الأخوة العربية, والتعايش في وطن واحد في محاولة لمحاكاة الواقع آنذاك.

فصلاح الدين والذي يُلقب طوال أحداث الفيلم بملك العرب –باستثناء عدة مشاهد لا تتجاوز أصابع اليد لُقب فيها بسلطان المسلمين- مع أنه لم يكن عربيا على الإطلاق, ولم يكن حلمه قط أن يرفرف علم الوحدة على الوطن العربي كله, كما هو موجود بالفيلم, لأنه ببساطة كردي الأصل مسلم الديانة.

في الوقت الذي كانت فيه الحرب بين الفريقين حرب دينية خالصة, رُفع فيها شعار الصليب آنذاك (ولذلك سموا بالصليبيين), أمام شعار لا إله إلا الله, وكان دافع البطل المسلم صلاح الدين فيها هو إعادة بيت المقدس -وليست التسمية اليهودية أورشليم- إلى المسلمين بينما تجده في الفيلم لا يتحدث إلا عن حق العرب, قبل أن يعلنها صراحة بالشعار العلماني الشهير “الدين لله والوطن للجميع”, ولكن مهلا أليست هذه العبارة التي قيلت على لسان سعد زغلول في ثورة 1919, أي بعد موت صلاح الدين بأكثر من 700 عام.

بالتالي من هذا المنطلق قد تجد نفسك تستنج تلقائيا بمفردك, أن عيسى العوام لم يكن هذا النصراني, الذي وقع في حب الفارسة الصليبية، لويزا الطاهرة, لكن الأدهى والأطرف أنه لم يكن قائدا لصلاح الدين من الأساس.

وبدون التطرق إلى منازلة القائد المسلم صلاح الدين للأسير الصليبي (أرناط), ليتم تصويره كمقاتل عظيم حتى النهاية, مات مصحوبا بشرف المعركة, في وقت كان قتله انتقاما لصلاح الدين منه لتطاوله على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام, ولا إلى رقة قلب صلاح الدين, في عدم هجومه على قوات الصليبيين, عقب موقعة حطين, لاحتفالهم بأعياد الميلاد -وقعت معركة حطين 4 يوليو- وأيضا لا ننسى التغافل (المتعمد) عن عدم ذكر ريتشارد (كلب الأسد) كسفاح قتل آلاف المسلمين, ولننتقل الآن إلى أخطر ما في هذا الفيلم.

هل مازلت تتذكر والي عكا, هذا الخائن الذي سلم المدينة إلى الصليبيين وفتح أبوابها, بعد أن عقد صفقة مع فيرجينيا جميلة الجميلات؟!

هذا السكير الذي أعماه حبه للمال وللنساء, فخان المسلمين واختار مجالسة الصليبيين, ليضحكهم بالسخرية منا.

حسن أنت مخطئ بالطبع فـ “بهاء الدين قراقوش” والي عكا, وأحد قادة صلاح الدين المقربين، وعُرف عنه شجاعته وبسالته، واستمات في الدفاع عن عكا طوال عامين, نعم لم يكن أبدا خائنا, في الوقت الذي كانت فيه فيرجينيا جميلة الجميلات شخصية وهمية من خيال المخرج.

والطريف أنه لم يُقتل كما صُور في الفيلم؛ لأنه وببساطة عمل في خدمة الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين كمنوب عنه حين كان يسافر خارج القاهرة، وكانت وفاته في سنة 597 هـ. في الوقت الذي توفي فيه صلاح الدين سنة 589 هـ, فكيف يُعقل أن يقتل صلاح الدين شخصا تُوفي بعده؟!

إذن هل اتضحت الصورة لك الآن؟

لنكتفي بهذا القدر, حتى لا أطيل عليك بقائمة ليست لها نهاية, من آلاف المشاهد للسينما الغربية, التي زيفت واقع العرب والمسلمين عما هو عليه, والتي قد تعتبر معلومة بقدر كبير لدى الغالبية.

لكني في النهاية أحب أن أترك لمخيلتك مقطعا صغيرا, من فيلم مملكة الجنة (kingdom of heaven) – النسخة الأجنبية المزيفة لصلاح الدين– و اسمح لي أن أطرح عليك سؤالًا أخيرا هل تعتقد أن القائد صلاح الدين كان ليفعلها في الحقيقة؟!!

إذا كنت مهتما بالمزيد من الأخطاء في أفلامنا العربية, القصة الحقيقية لعيسى العوام, وبهاء الدين قراقوش, فأنصحك بالاطلاع على هذا المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست