كان إحراق البوعزيزي لنفسه الشرارة الأولى التي أشعلت موجةً من الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت من تونس فامتدت لتطال كل الساحات العربية، ليبدأ بذلك ما نسميه بالربيع العربي الذي حمل في طياته تحولات سياسية عديدة، منها جعل المعارضة العربية قوى تتنافس وتتصارع في العلن، بل على مؤسسات الدولة الرسمية بعد أن كانت تتهامس وتتهامش في الظلام وعلى أطراف الساحة السياسية لأوطانها.

هذا الربيع الذي تعددت أسبابه وتنوعت دوافعه من سياسية واجتماعية وثقافية، لم يولد في تلك اللحظة الفارقة هكذا لقيطًا بلا أب ولا أم، بل كان له أهل وأهل معروفون جدًّا، فلولا الظروف التي هيأتها الأنظمة العربية -سلبًا- وما أحدثته التدخلات الغربية -سلبًا- بالإضافة للوعي بذلك لما كان هناك ربيع.

فذاك المجتمع الذي تربى منذ أجيال وأجيال على فكرة العمل اللامنظم والطاعة العمياء والاهتمام المشوه وأسطورة الخلاص المخدر والقيامة المتسللة لوحدها، فجأة ينطلق يريد التغير ليخلع طوق الطاعة مهتمًا بكيانه، ساحبًا للقيامة من وكرها، رافضًا للأسطورة الداخلية التي لا تهزم، ويهتف للحرية ككلمة وفكرة، ويضحي بالدم لذلك!!

كل هذا ما كان ليحدث لولا المنبهات القوية لكم التراكمات السلبية التي ضغطت على وعي العقل العربي فالفقر، وسلب الكرامة، والتفكك الأسري، وضعف الخدمات، والفساد، والظلم، وغياب الحريات التي رسختها الأنظمة العربية بقراراتها، والتدخلات السافرة، والصدمة الحضارية، ودعم الاحتلال الصهيوني، والتلاعب المستهتر الذي مثله الغرب بسياساته لا يمكن أن تحدث هذه ثورة.

فالفساد والإفساد تحطيم لا بناء، لكن الثورة بناء وبناء معقد جدًّا يحتاج لعمال نشيطين، ولقواعد وتصميمات جاهزة، وعمال الثورة كانوا هم الشباب الثوار-وهذا معروف جدًّا للقاصي والداني- فهم من أنفقوا على تفعيلها واستمرارها، وأما وضع التصاميم والقواعد فكان من نصيب الطرف الذي شغل نفسه بدق ناقوس الخطر ممضيًا وقته محذرًا ومحرضًا ضد المظلومية التي تفشت في المجتمع فنخرت مؤسساته، وهذا الطرف هو المعارضة التي أذكت الوعي العربي بنضالها وأدبها وفكرها وإعلامها…

لكن هذه المعارضة التي أسهمت بقسط وافر في توعية عقل الشعوب العربية وتوجيهه منذ طفولته إلى الآن عانت وما زالت تعاني من أمراض وعلل أدت لإطالة عمر الغفوة الحضارية للعرب؛ مما ساعد على ثبات عروش وسياسات الأنظمة العربية طيلة المدة السابقة، هذه الأمراض أيضًا هي ما كان يحَوِّل أغلب ما كانت تقدمه المعارضة إلى ما يشبه الهباء الذي يتناثر مع أي هبة ريح لأصغر قرار قمعي من الأنظمة العربية الحاكمة.

ومثال على تلك المشاكل التي أقصدها مشكلة تحديد المعارضة لآلية التغيير التي يجب أن تتبناها، فالمعارضة ما قبل الربيع العربي كانت منقسمة على نفسها، مختلفة على طريقة التغيير فبعض الشيوعيين والبعثيين والجهاديين وحزب التحرير يريدون تغيرًا راديكاليًّا بانقلاب أو تمرد -كل على طريقته طبعًا- وينتظرون اللحظة، فأفلتوا بذلك من بين أيديهم خيوط العمل العلني السلمي كلها.

والليبراليون وأغلب الإخوان والمستقلين قدسوا العمل السلمي المتدرج بل البطيء حقيقةً فضيعوا فرصًا كثيرة كانت الشعوب فيها قد سئمت أنظمتها، وكانت مستعدةً للثورة الشاملة فلم يستغلوا ذلك ولم يوظفوه!!

وبعد الربيع العربي ونجاحه بخلع الحكام أو حصرهم في زوايا معينة، ظهرت مشكلة أخرى للعيان، فهذه المعارضة أبرزت نفسها كتيارات متناحرة لا متعاونة، فأصبحت الانقلابات والتمردات عليها مستساغة عند بعض فئات الشعب!!!

فالعلمانيون والإسلاميون يتناحرون، والراديكاليون والإصلاحيون يتهاترون، ومن في السلطة ومن خارجها يتساببون، والدولة تضيع وكلهم يتلاوم، والشعب هو المتضرر الوحيد، وفي هذه الأثناء يتقدم أزلام النظام السابق وجنرالات العسكر ورجال الأعمال وأمراء المليشيات ومرتزقة الخارج ليشكلوا ما يمكن أن نسميه بالمعارضة البديلة التي تسعى للاستقرار -على حد قولها- فيحصدوا كل ذلك أرباحًا سياسية ومادية معلنين أنفسهم كبديل وعِوض جديد، وهم في الحقيقة يستحيل أن يكونوا إلا ثورة مضادة تريد تبديد كل ما قدمه الشعب من تضحيات في الميادين والساحات.

القصة باختصار أن هذه التيارات السياسة الشريفة عندما كانت في صفوف المعارضة المحظورة أو المُضَّيق عليها، كانت تحمل داخلها أمراض مجتمعاتها دون أن تدرك، فلم تكن تعرف أهمية التعاون في النضال، ولم تتوقع يومًا أنها ستصل للسلطة فلم تجّهز برنامجًا لذلك ولم تفهم أن السلطة مسؤولية وواقع وليست مدينة مثالية تنتظرهم ليكونوا فلاسفتها المُقدرين المُتَبعين، فلما سقطت الأنظمة القديمة تحول تشرذمهم كمعارضة إلى تشرذم قوى سياسية رسمية يظهر في كل صعيد وناحية، ويبدي للقاصي والداني عمق الأمراض داخل تركيباتهم الأيدولوجية والتنظيمية، فلا أفكارهم تملك البرامج المطلوبة، ولا تنظيماتهم تملك الهياكل المناسبة.

ليست نظرتي سوداوية قاتمة فما زال هناك بصيص أمل أمام المعارضة العربية، وهو أن تتعلم من تلك الشمعة المنيرة في المغرب العربي، أقصد تونس والمغرب وهما -كما أرى- تعتبران مثالًا يحتذى في الوعي والتعاون ورفض التناحر وتغليب لغة العقل والحوار، والأجمل من ذلك أن الفرصة لم تضع بعد، فالربيع العربي مرحلة حية إلى الآن، لا موجة مرَّت وانتهت سابقًا فالشعوب ما زال بالإمكان جمعها وتوجيهها نحو مسيرة النهضة، لكن بشرط أن تراجع المعارضة أفكارها وبنياتها التنظيمية، وتشرع في التعاون وتتفق على ضرب الثورات المضادة، وأن تتقاسم عبء الحكم والسلطة فلا غالب ولا مغلوب، إنما شراكة واعية لأوطان ترتقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست