بالأجندة والوجوه نفسها تقريبا، انعقدت قمة الاتحاد الأفريقى السادسة والعشرين فى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا ولم يكن هناك على برنامج عملها جديد، فالموضوعات المطروحة على القمم السابقة طرحت أيضا فى الحالية ولم تتجاوز قضية الحوكمة والتنمية والسلم والأمن ومكافحة الإرهاب، وهى ملفات وجيهة وتستحق أن تعالج فى القمم القارية، ولكن المنجز لا يؤشر إلى أن هذه القمم تحقق النجاعة المطلوبة فى معالجة قضايا مصيرية ومزمنة.

من الانتقادات الموجهة إلى الدول الأفريقية أن جلها لا يملك قراره السيادى فى رسم سياساتها الإقليمية والدولية، أما الدول التى تدافع عن استقلال القارة وأحقيتها فى تشكيل قطب منفرد على الساحة الدولية، فهى قلة وتتمثل فى دول كبيرة مثل مصر وجنوب أفريقيا والجزائر، أما البقية وهى السواد الأعظم من الدول فتخضع مباشرة لوصاية القوى العالمية التى تتصارع بأدوات سياسية واقتصادية وعسكرية على السيطرة ومضايقة القوى الإقليمية الأفريقية. ومن دون العودة إلى التاريخ الزاخر بالنماذج، يحفل الحاضر أيضا بأشكال متعددة من التدخل الدولى فى قضايا القارة الأفريقية، وتأكد أن ذلك التدخل هو الذى يعيق إنهاء الحروب الأهلية والقضاء على الفقر والمجاعة والبطالة والأوبئة المستعصية، يضاف إليها الإرهاب المتمثل فى الجماعات المتشددة مثل «داعش» التى تتحرك فى ليبيا و«القاعدة» فى مالى و«بوكو حرام» الناشطة فى نيجيريا والكاميرون و«حركة الشباب» المتغلغلة فى الصومال، وتعتبر هذه الظاهرة من المستجدات الأفريقية فى السنوات الأخيرة وتشكل فى حد ذاتها تحديا غير مسبوق.

حينما توضع كل هذه الملفات على طاولة القادة الأفارقة لن يلمسوا تقدما فى أى منها، وبين قمة العام الماضى والقمة الحالية فشل الاتحاد الأفريقى فى أن يكون مرجعية لجميع دوله لحل الأزمات السياسية العاصفة أو وقف عدوى الانقلابات العسكرية المتفشية فى دول جنوب الصحراء مثلما حصل فى بوركينا فاسو وقبلها فى أفريقيا الوسطى، أما حروب جنوب السودان وبورندى فمستمرة ولم تتوفر إرادة فعلية تساعد على تعافى هذه الدول. وبدرجة أقل، ترزح أغلب الدول الأخرى تحت وطأة الصراعات وانعدام الاستقرار واضطهاد الأقليات وضياع الشباب، وترسم كلها صورة سوداوية للقارة السمراء، وأسوأ ما فى هذه الصورة ما تعانيه المرأة من تهميش وإقصاء من الحياة السياسية والاجتماعية مما يجعلها الضحية الأولى لكل معضلات أفريقيا.

القمة السادسة والعشرون اتخذت شعار «عام أفريقيا لحقوق الإنسان» مع إعطاء المرأة الحيز الأكبر من الاهتمام بناء على قناعة بأن عدم النهوض بنصف المجتمع يعزز التخلف ويكرس التبعية وقابلية الخضوع للقوى الأجنبية، وهى عقلية سليلة انحطاط مستوى التعليم وسيادة عقائد اجتماعية بالية مازالت ترى فى التعليم العصرى وكل قيم التنوير ضلالا لا يجب الاقتراب منه. ولأن تغيير هذا الواقع يعتبر عملا شاقا وتحديا، فهو يتطلب، قبل كل شىء، إرادة سياسية تؤمن بأن تحرير القارة الأفريقية من كل أزماتها وصراعاتها وأوبئتها هى المنقذ الفعلى لشعوبها كافة، وهذه الإرادة تمثل القادة، وخير فضاء يتم الانطلاق منه هو قمة الاتحاد الأفريقى إذا استطاعت أن تبلور استراتيجية إنقاذ ملزمة لكل دول القارة.

من التصريحات التى تمنح مساحة للتفاؤل، إعلان رئيسة المفوضية الأفريقية دلامينى زوما أن أكثر من 85% من الثروات الطبيعية فى العالم موجودة فى هذه القارة التى تصنف دوليا بأنها الأكثر فقرا وفسادا. ولو يتم احتساب مؤشرات النمو الصاعدة فى أغلب دولها، فيمكن الإيمان بأن إمكانية النهوض قائمة بالفعل، وربما هى المآل الوحيد بعد قرون من الضياع.

الخليج ــ الإمارات
مفتاح شعيب