تابعنا جميعا كيف بدأت الحكومة التركية العمل منذ فترة على مواجهة ما أسمته بالكيان الموازي وهو ذلك التنظيم السري الذي أنشأته جماعة فتح الله كولن الحليف السابق للحزب الحاكم الحالي وحكومته بهدف استبداله والحلول مكانه.

وقتها تعجب الكثيرون وكان السؤال كيف ولماذا سعت جماعة غولن لمثل ذلك الأمر وهي التي كانت في أمسها حليفًا قويًّا وظهيرًا له ذات التوجهات والميول؟

وكان مكمن الصعوبة في التعامل مع ملف جماعة غولن أمرين:

  • أولهما: امتلاك هذا الكيان الموازي لمعلومات تفصيلية ودقيقة كونهم كانوا موضع الثقة المكينة لدى حزب العدالة والتنمية الحاكم.
  • وثانيهما: كون أتباع جماعة غولن “الكيان الموازي” نافذة في العديد من مواقع السلطة كالسلطة القضائية والأمنية وغيرها.

إن الإشكال الكبير الذي قد يُوقع بعض الطيبين في شراك أي تنظيم موازٍ هو سابق التاريخ الحسن وافتراض النية الحسنة حتى أن بعض رموز هذا الكيان الموازي التركي قد صرح لدى التحقيق معه “نحن فعلناه من أجل الوطن. فنحن لم نفعل شيئًا غير قانوني”.

تأمل أيها القارئ الكريم فهذا هو الشعار الذي يرفعه كل كيان موازٍ ما قد يدفع البعض لتصديقه والتعاون معه، وذلك حين يتم إخراج الأمر على أنه تم من أجل المصلحة العليا وهذا الادعاء من زخرف القول الذي يحتاج لبصيرة لكي يفرق المرء حين سماعه بين الصحيح والمزيف.

وكأي كيان مواز فإنه يعتمد في استراتيجية عمله على مجموعة تابعة له في القيادة ومجموعات أخرى مساندة في القاعدة، وستجده دومًا يؤكد على قضية افتراض حسن النوايا، ويذكرك بتاريخ نضالي حسن، بعدها يتم إخراج الأمر بصورة ظاهرها السلامة القانونية ثم تتابع خطواتهم شيئًا فشيئًا حتى تحين ساعة الصفر المناسبة لتنفيذ عملية الإحلال والاستبدال المخطط لها ليصبح هؤلاء بين عشية وضحاها هم الممثلون الشرعيون دون غيرهم.

وهذا الأسلوب السالف ذكره هو ما يمكن أن تلمحه حاليًا بسهولة في أداء جناح د. محمود عزت، فقد خطى هذا الكيان الموازي داخل الجماعة خطوات حثيثة ومتصاعدة في نفس الاتجاه المذكور وقام بعدة إجراءات مركزة جدًّا تجعله منفردًا بالقرار نعرضها في عجالة:

  • أولها: اجتماع هلامي لا يعرف أحد عنه شيئًا سمي بلجنة تحقيق لم يمثل أمامه كثير ممن اتُهم، نتجت عنه قرارات وصفت من قبلهم بالملزمة.
  • ثانيها: عزل محمد منتصر المتحدث الإعلامي الذي يمثل صوت اللجنة الشرعية المنتخبة صاحبة الصلاحيات الكاملة لتعطيل الآلة الإعلامية الثورية والتي هي أقوى أدوات اللجنة المنتخبة مع العمل على إظهار منابر إعلامية بديلة ومتعددة.
  • ثالثها: امتدت هذه الخطوات حتى بلغت حل مكتب الإخوان المنتخب بالخارج بقرار مُوقًّع فرديًّا.
  • رابعها: تعيين ثلاثة متحدثين في مصر وذلك بعد صعود نجم الأخ محمد منتصر حفظه الله والذي بدا أنه قريب من الحراك في الشارع يشارك إخوانه المواجهة والمسؤلية كاملة.
  • خامسها: وليست آخر هذه الخطوات المكشوفة تحركات فعلية لهذا الكيان الموازي على مستوى المحافظات، فهناك عدد من الإدارات ببعض المحافظات دخلت الكيان الموازي فعليًّا. أما ما تبقى من محافظات فإنه يسهل جدًّا أن يجد هذا الكيان الموازي بكل محافظة مجموعة من القيادات الوسطى البديلة عن قيادة المحافظة المنتخبة والمعارضة لما يحدث ممن يمكن تعيينهم وجمع خيوط الشُعب التابعة بأيديهم.

وها هي موجة يناير تمر بنا الآن وحتى لا يتم اتهامهم بعدم مراعاة الوقت ينتظر الكيان الموازي مرورها ليستكمل هذا الجناح مسيرة التوسع وإبعاد الطرف الثاني وتجميد مزيد من العضويات المخالفة لهم.

وقد يستدرك بعض أحبابنا على حديثنا معللين بأن الأمر فتنة يسعنا فيها السكوت.

بيد أني أذكرك أخي الكريم أن الفتنة التي يجب فيها الإمساك عن الكلام ليست هي ما نحن بصدده الآن فحالتنا هي حالة تجاوز واضح صريح من طرف وسعي للانفراد بالقرار تحت ذريعة مصلحة الدعوة وكأنهم محتكرو رؤية هذه المصلحة.

و مرة أخرى ليس شرطًا أن يكون من يُسلب منه الحق على أكمل وجه كي ترفض العدوان عليه فهذا الخاطر من المزالق التي يدخلها عليك الشيطان لكي تسكت عن قول الحق، فرفض التجاوز قيمة مهمة ولو كان صاحب الحق لديه شيء من التقصير أيضًا.

ولقد أوضحت في مقال سابق لي أن المبادرات التي ستخرج هنا وهناك للم الشمل سيرفضها جناح الدكتور محمود عزت تحديدًا وهذا ما حدث بالفعل مع مبادرة التحكيم التي كان على رأسها د. يوسف القرضاوي، فالأمر جلي واضح لكل متابع بتجرد بأن هناك عزمًا على المضي في هذا الشوط حتى نهايته.

فإلى كل من يهمه الأمر أعرف أنه قد يدب اليأس في قلبك بعد استعراضك هذه الخطوات المتتابعة السابق ذكرها وتظن أن الأمر بهذا الشكل محسوم لصالحهم وهذا الإحساس هو عين ما يمكن أن يظفر به هذا الكيان الموازي من نجاح وذلك حين ينسحب من المشهد من يفهم حقيقة تحركه مستسلمًا ومعلنًا ألا أمل.

إني أريدك أن تضع نصب عينيك أنه حتى لو تمت هذه الخطوات لا قدر الله وهذا ما لا نرجوه، وتم الاستعلان بهذا الكيان الموازي بكامل هيكله باعتباره الممثل للجماعة فقد يكون ذلك الإعلان خيرًا أيضًا حتى يظهر للناس حقيقة فعال هذا الكيان وشخوصه ثم ينفصل بمن معه عن جسم الجماعة بعد انكشاف أمره كما انفصل غيره من الرموز الشاردة عن خط الجماعة الأصيل مغردًا خارج سربها بما يشاء مصحوبًا بما يستحقه من نكير وسقوط.

إن هذه السطور هدفها التوعية بما يمكن رؤيته قريبًا حتى لا تصدمنا المفاجأة وتشل حركتنا ويمكنك أيها الأخ المحب لفكرته من الآن التحرك والتوعية ومنع حصول ذلك التمدد غير المشروع لهذا الكيان الموازي فإن أول الحل: الفهم والإدراك فالسعيد من وعظ بغيره، ثم التحرك بهذا الفهم والمطالبة بالحق وقديمًا قالوا ما ضاع حق وراءه مطالب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست