يؤكد د.علاء الأسواني أن: (هناك فارق كبير بين الإصلاح الجزئي، والثورة. الثورة تستهدف تغييرًا جذريًا شاملًا، الثورة تهدم النظام القديم هدمًا تامًا وتقيم بدلًا منه بناء جديدًا يتماشى مع مبادئها وأهدافها).

ولكن في التأمل الدقيق نجد أن الثورة السورية تغزوها أمراض وعلل قاهرة هي من (أخلاق القصر التي تؤخر النصر).

أخلاق القصر الجمهوري الذي عاش على سياسة القهر والقمع وفرق تسد تسري لتكون سيمفونية الهزيمة التي تعيق التقدم والتي تتجلى بالآتي:

أولا: الصراع بين التيارات الثورية والانشغال بما يفرقها!

الملاحظ التناقضات والمشاحنات، والاستنزاف الذاتي لقوى الثورة، وسيطرة الذهن الشللي سواء في الصف السياسي أو العسكري.
المعلن في الإعلام أن الكل مع الكل وأن الجهود تبذل لجمع الصف، لكن الخفي والغالب والسائد التصرف الانفعالي الشخصي أو الجهوي والأحادية والاستقطابية الجهوية وقد أعلن في لقائه الأخير على قناة دبي رئيس الائتلاف عن ظاهرة الدكاكين باسم الثورة وهذا التفرق يعود إلى الضمور في العمل الثوري مما أدى إلى التشرذم نتيجة (قصور في الرؤية) و يعود سبب ذلك كله (لتحرر الناس من عقدة الخوف مع غياب الوعي السياسي الناظم للعمل الثوري).

أعتقد من أهم الفرائض السياسية الواجبة على العمل السياسي والثوري (الوعي) ومن ثم التوافق على أبجديات وقضايا مفصلية أي ما يشبه (دستورًا) عامًا للثورة السورية يضمن قواعد الالتزام الأخلاقي والسياسي والعسكري للثورة ويكون كتابًا موجهًا فلا تقوى سياسية من غير كتاب ذلك الكتاب لا ريب فيه واضح شفاف بمثابة دستور للعمل السياسي والعمل العسكري بحيث يضم الحراك الثوري فضاء سياسيًا رحبًا يعمل في الخارج تعاضده ثورة داخلية تحمل الرصاصة والسلمية أيضًا وفق مسارات تكاملية لا تنافرية.
لابد من التذكير بأن العمل المعارض الخارجي يقوى بانتصارات الداخل ويكون الداخل عونا لمن هو في الخارج والخارج مناصرًا لقضايا واحتياجات الداخل وهذا لن يتحق إلا بوعي وعمل شفاف مخطط تكاملي تتوافق المسارات على قضايا مفصلية أساسية.

الجهد الإصلاحي الثوري هو في أن نرفع رايةً واضحة للتعاون والعمل والتصحيح الجاد الذي يستهدف المجموع كله دون أيّة استثناءات، وما دامت هناك ثورة ترغب في البقاء فعليها أن تكون منهمكة في عمل إصلاحي مستمر، والسوريون ليسوا استثناءً من أي قاموس سنني.

فإن لم تفعلوا فلن تتقوا النار التي وقودها الشعب والشجر والحجارة أعدت للمفرقين، فالخصم ختم على قلبه وعلى سمعه الأسد أو نحرق البلد ولن ينفذ وعده بحرق البلد وتمكين الشقي الولد إلا بالصراعات التناظرية وتفرقة الصف .

ثانيا: نسف المرجعيات السياسية السورية

من السهل الهدم يكفيك أن تضع إصبعًا من الديناميت لتنهي بناءً شامخًا وتدمره ورصاصة صغيرة لا قيمة لها تقتل إنسانًا لا ذنب له وكلمة من أي قلم عادي جدًا تأخذ بمستقبل إنسان فاعل في الحياة إلى النهاية وبالمقابل يكفي أن تغمض عينًا فتمر الخطيئة وتغدو حقيقة مزيفة يشير إليها الجميع تؤدي في نتيجتها إلى دمار اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي من السهل أن تعطي معنى مغايرًا لما يعنيه من خلال سلطة أو قوة آنية تتمتع بها تنهي به حقيقة مجردة لا تقبل الشك ولا التأويل لماذا إذًا هي ثقافة الهدم وهل هناك هدم إيجابي وهدم سلبي نعم هناك من يهدم ليدرأ الخطر وليحقق الصلاح والإصلاح وهناك من يهدم بغاية التأخير والتخلف والتميز بين هاتين الحالتين غدًا من الضروري كشف من يعطل ليحاسب ومن يصلح نشد على يده ويكافأ.

من يتقدم حقيقة نسير معه ومن يتراجع ويراقب بلا فاعلية يجب استبعاده، فالتخريب وأينما وجد ومهما كان شكله يسهم في هدم المعنويات وإضعاف الاجتهاد وفقدان الأمل هكذا نراجع تاريخنا فنجد الكم الهائل من تراثنا وثقافتنا وإنساننا قد هدم بأخذه على حين غره ودون وازع من ضمير لقد تم نسف المرجعيات السياسية وقد أوجدوا الفواصل والخنادق والطوائف والمذاهب ليهدموا الثورة ويزرعوا بين ثوارها فواصل على شكل أخاديد عميقة وعريضة ليهدموا ويرموا بكل ذلك إليها ومن ثم يقوموا بردمها!

تعالوا نحافظ على ماتبقى من قيم ومرجعيات ننقد لا ننتقص تعالوا نبني صروحًا وقواعد تظهر ثورتنا ومرجعيتنا وشخصيتنا تعالوا نصلح ما تعطل نبني ونبني من خلال علاج أمراض الواقع.

ثالثًا: التدمير الذاتي من خلال ضياع القضايا الكبرى

الذين ينقضون عهد الثورة من بعد ميثاقها ويقطعون ما أمرت الثورة به من قيم وإلزامات (هي لله هي لله لا للمنصب أو للجاه).. (الشعب السوري واحد) (الموت ولا المذلة) (الله سورية حرية وبس).

(وهكذا يبدو لنا أن مطالب الأمم وضروراتها تفرض نفسها في شعار كل ثورة من ثوراتها فلا تمتاز كل ثورة بشعارها الخاص لأنه نغمة محبوبة أو كلمات رنانة تغني عنها الكلمات التي تماثلها رنة ونغمة وإنما تمتاز بشعارها الخاص لأنه تعبير عن كيانها وعن وجهتها، وعن البواعث التي تمليها) (2)

لكن الملاحظ أن الثورة تحرق ذاتها من خلال استجرارها إلى معارك جانبية وضياع القضايا المفصلية.
بشار الأسد يثير الفتن ويزيد الضغائن ويفتعل الخلافات ويشعل الحرائق وينفخ في النار ويرمي إليها بكل أشكال وأنواع أدوات الحرب لتشتعل أكثر ويجلس هو في قصره والذي سيرحل عنه عاجلًا أم آجلًا يتابع أجيجها كما تابع نيرون حرق واحتراق روما .

ها هو الآن ومنذ أن أعلن بشار أنه غير شرعي بخطواته القمعية للثورة يتحدث عن محاور المؤامرة والشر وأقواس الخطر وخطوط النار والإرهاب ويتشدق بجر أوروبا والعالم بحبل شيطانه وكأن العالم مزرعته، هاهو يلهث خلف روسيا وإيران والصين يريد الحرب على الإرهاب وينسى أنه الإرهابي الأول ففي عهده خسرت سوريا عشرات الآلاف وذهبوا ضحايا قمعيته غير المعهودة في تاريخ العالم المعاصر سياسيًا كما خسر الشعب السوري البيت والجغرافيا والحياة يدفع بهم في كل مكان وإلى أي مكان وينشر رائحة الدم وسمومه وسموم هالته الحربية من خلال غيها وبكفرها بالارض والإنسان والحياة لمن يدعي أنهم أصدقاؤهُ من الصهاينة والمتآمرين والمتخاذلين تحت عناوين نشر العلمانية ومحاربة الإرهاب ونشر ثقافة الغرب وما هي في مجملها إلا ادّعاء كاذب غايته نهب ثروات الشعب واستعباد البلاد والعباد .

ها هو الآن يقترب من نهايته يحاول تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ من خلال طرح محاور التطرف والسقوط المتوقع للأنظمة القريبة من سوريا والدائرة السنية والاضطهاد المسيحي فأين هو منا ومن أمرنا وماذا يريد لنا نحن في الثورة نحن اللحمة والوحدة بكل أطيافها ماذا يريد وهو يقترب من نهايته وينعزل في قصره كالثعبان الجريح سوى بث سموم الفرقة والتفرقة، وثقافة الخوف والتدمير الذاتي.. ماذا يفعل وهو يتخبط في دمائه ويديه الملوثة سوى تنظيفها بدماء جديدة كمصاصي الدماء يمارس طقسًا من طقوس الشيطان يهدد تركيا وقطر ويحاول إخافة سورية ويستعين بالصغار في لبنان من حزب الله مستغلًا إياهم بعداوتهم المذهبية مشجعًا الأخ على أخيه. وللأسف يجد الشيطان إقناعًا لدى البعض فيلبسهم ويوجههم إلى ما يريد تحقيقه كي يتحكم بسلوكنا.

انتبهوا فالفتن كثيرة والضغائن كبيرة وما يراد للثورة ولسوريا الكثير الكثير من السوء، إذ يخطط لها أن تبقى في حالة الركود فلا تنهض أو تنجح، وبحثه الدائم في آليات فرقتها، وأن لا توجِد ذاتها وتحقق آمالها في الوحدة والحرية والاستقرار والبناء .

رابعًا: تنظيمات بمبايعات متطرفة

يجب على القوى الثورية أن تقدم نفسها على أنها مكونات للشعب السوري وليست على مكونات طائفية أتمنى أن نعلن براءتنا من أي تطرف وولاء لأي تنظيم متطرف كما على التنظيمات المنخرطة في العمل العسكري لإسقاط النظام أن تكون صريحة ووفية إما للثورة أو لقياداتها الخاصة وفي حال اختيارها الولاء للقيادة فعليها المغادرة كي لا تكرس هزيمة للثورة.

لا يمكن أن تنهزم الثورة بعون الله، ولكن لا تظنوا أن النصر قريب ونحن نعزف سيمفونية الهزيمة التي وإن لم تستطع أن توقف مدنا الثوري لكنها تطيل في عمر النظام وتكبر حجم مأساتنا.

إن سورية ثارت للحرية والرئة التي يتنفس الناس بها هي أن نشعرهم أن الثورة أوكسجينهم وأن النظام هو من يلوث الهواء في تنفسهم، يجب علينا العودة إلى تحقيق شعارات الثورة وما قامت من أجله وأن الثورة مازالت فى قلوب السوريين الذين صنعوها بدمائهم والذين لن يسمحوا أبدًا بإجهاضها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست