2011 تاريخٌ سيبقى في أذهان أبناء الشعب العربي؛ لاعتبارات كثيرة, منها: أنه تاريخ ثورات الحرية, ومنها أنه كسر حاجز الخوف من الحاكم العربي, ولكن الأهم من ذلك – رغم أن فئة كبيرة من الشعوب لن تعي ذلك – بسبب أزمة الهوية التي كشف الربيع العربي الستار عنها, وفي هذا المقال سنعرّف الهوية وأزمتها ونبين لماذا بانت بعد الربيع العربي، وكيف تجلت في ذروتها وما الحل لتخطيها.

1- ما هي أزمة الهوية؟

في التعريف اللغوي للهوية, يعرفها المعجم الوسيط بأنها: “حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره”.

و يعرفها معجم أوكسفورد بأنها: “حالة الكينونة المتطابق بإحكام, والمتماثلة إلى حد التطابق التام أو التشابه المطلق”.

فداخل الهوية تلتقي السيسيولوجيا بالسيكولوجيا والانتروبولوجيا والأيديولوجيا والسياسة, يضاف إلى ذلك التقاطع الموجود بين الذاتي والجماعي, بين الفردي والاجتماعي, بين الواحد والمتعدد وبين الثبات والتغير، وبين الانفصال والاتصال, فهي عند فتجنشتاين مكمن الوجود وعند نيتشه موطن الأوهام.

ومن هنا نصل إلى تحديد أزمة الهوية وهي تُطرح على شكل أسئلة تقضُّ مضاجع المجتمع “من أنا؟” “من هو؟” “كيف أتعامل مع الآخر” “إلى أي مدى يمكن التحرر من الأيديولوجيا؟” “من أين يمكن لخطاب الهوية أن ينطلق” “هل يجب أن أتعامل مع الثقافات الأخرى بانفتاح على اعتبار ثقافتنا منتجا إنسانيا”, هذا السؤال الأخير يفرضه وبشدة مفهوم العولمة بكل أشكالها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, والعولمة كما عبر عنها الفيلسوف الفرنسي فيربيليو بأنها عالم السرعة, بحيث العالم أصبح بفضل التطور التقني والفيض المعرفي العلمي متقارب الحدود, منفتحا, متداخل العناصر والهويات بحيث يصبح من الصعب بمجال تحديد الكينونة الفردية للشخص أو الهوية المجتمعية لمجموع الأفراد.

2- ما هي أزمة الهوية العربية؟

إن ما ذكرناه سابقا من الممكن أن يحدد أزمة الهوية العربية, وفي هذا السياق نذكر بأن أبرز ما يميز أزمة الهوية العربية هي نظرية المؤامرة التي يفترضها العقل الجمعي العربي في كل أزمة تواجهه, وأيضاً المفاهيم التي نطلقها على كل شخص مختلف عن السياق العام مثل: حداثي, علماني, قومجي, إسلاموي, منفتح, متشدد, دون محاولة اعتبار المتغيرات الجديدة على أنها صياغات جديدة للهوية في مواجهة متطلبات العصر بعد العولمة وتداخل الثقافات وسرعة نقل المعلومات.

ومن ناحية أخرى تتميز أزمة الهوية العربية بمفهوميِّ “الهوية والدين” كما عبّر عنها السيسيولوجي المغربي عبد الصمد الديالمي, رغم أن العودة إلى الدين هي صحوة عالمية أتت كرد فعل على العولمة ناتجة عن فطرة الإنسان بعدم التماثل و حب التميز, إلاَّ أنها في العالم العربي أخذت منحى أكثر سلبية ناتج عن ارتباط الدين بالحكم, أو بشكل أصح وجود أيديولوجية لدى الفئات الإسلامية تسعى للحكم وتغيير وجه المجتمع ليأخذ طابعا إسلاميا, و يبقى لنا هنا أن نربط أزمة الهوية بالربيع العربي وندلل عليها من الواقع وهذا ما سنفعله تاليا.

3- كيف برزت أزمة الهوية في الربيع العربي؟

أزمة الهوية موجودة منذ زمن, تطورت مع ظهور العولمة كعقيدة للدول الكبرى محاولة نشرها في دول العالم، وخصوصاً في دول العالم النامي, لكن الربيع العربي ساعد على تجلي الأزمة ووضوحها, إذ إن ما قبل الربيع العربي كان الحكم الديكتاتوري يضغط على التيارات المختلفة في الدول العربية فلا تظهر التمايزات الإيديولوجية بين التيارات المختلفة، لكن بعد كسر حاجز الخوف ظهرت هذه الأيديولوجيات وبدأت بالصراع حول من الأصح, ومن يجب أن يحكم, ومن يجب أن يتمثّل المجتمع به, وهنا وقع الفرد العربي في حيرة من أمره “من أنا؟” “من يجب أن أتبع؟” “ما هي ثقافتي الحقيقية؟” “كيف أتعامل مع الثقافات الأخرى؟”.

وفي التدليل على ذلك، سنذكر أبرز الثورات التي برزت فيها أزمة الهوية, ولنبدأ بالثورة السورية، فالحكم العلوي، الذي استمر أربعين سنة، سرعان ما تحول إلى حكم كافر في بداية الثورة, ثم يظهر الجيش الحر الذي اتخذ في معظمه منهجا علمانيا، وبدأت الانفصالات به, ثم تخرج لنا فصائل إسلامية، مثل: جبهة النصرة، والجيش الإسلامي، وأحرار الشام والجيش السوري التركماني، ووحدات حماية الشعب الكردية، لتصبح الأراضي السورية عبارة عن كانتونات متناحرة، وعلى الفرد الذي يتواجد في إحدى هذه المناطق أن يكيف هويته بما يتناسب مع الهوية الجمعية للفئة المسيطرة.

ويبدأ الصراع بين الهوية الفردية والهوية الجمعية القسرية, وننتقل إلى مصر، حيث يتباين فيها تياران رئيسان أولهما الإسلامي الذي ينقسم إلى إسلامي متشدد منغلق وإسلامي منفتح أقرب ما يكون ليبراليا, والتيار الثاني: التيار العلماني، الذي ينقسم إلى قومي اشتراكي وآخر ليبرالي, لتستغل الثورة المضادة بما تتضمنه من فلول النظام السابق وعملاء الداخل والخارج وانتهازيِّ السلطة وانتهازيِّ الثقافة والراديكاليين من أصحاب الفكر المحافظ لصراع الهوية بين التيارات للسيطرة على مسار الثورة وتوجيهها بما يخدم مصالحها, ثم نذهب إلى اليمن الذي تبرز فيه أزمة الهوية بشكل واضح؛ حيث ينقسم المجتمع إلى الإخوان المسلمين في تعز وصنعاء، وأنصار الله (الحوثيين) على أطراف السعودية والسلفيين في دمَّاج، والعلمانيين والماركسيين الانفصاليين في الجنوب، وتتجلى الأزمة في المعارك التي قامت بين هذه الفئات، والذين هم رغم التقارب الفكري بين بعض الفئات، إلاّ أنهم رفضوا الدفاع عن مناطق بعضهم البعض، وحتى في بعض المعارك والصراعات، والوقوف إلى جانب التيار الذي يتعارض معهم بشكل كبير في سبيل إعادة السيطرة.

وهنا تتحلل الجماعات من هويتها لتحل المصالح مكان العقيدة والأيديولوجيا لهذه الفئات, وفي هذا التعدد اللاممنهج يبدأ تخبط الفرد بين الولاء والانتماء رغم أن المشكلة ليست في كثرة التيارات، إذ إن التعدد في التيارات يثري المجتمع و يعزز عوامل الديمقراطية، إلاّ أن المشكلة التي نواجهها هي عدم بلورة الخطاب الإيديولوجي الذي يبيِّن كل تيار على حدة مما يجعل الأفراد منقسمين مذهبياً وقبلياً ودينياً وسياسياً واجتماعياً على بقية الأصعدة, بالإضافة إلى التشرذم الذي يعتري المجتمع هذه التيارات والذي يرمي بظلاله على المجتمع لتظهر هذه التيارات على شكل إفرازات سلبية تضر المجتمع أكثر مما تفيده, وهنا ننتقل إلى محاولة وضع صيغة للحل في الفقرة الأخيرة.

4- ما الحل؟

رغم التعقيدات السابقة ورغم التغيرات الكثيرة التي مرَّ بها المجتمع العربي؛ نتيجة الانفتاح على العالم وثورة المعلومات والفيض المعرفي وصعوبة تلبية متطلبات العصر في الفكر السياسي العربي، إلاَّ أن الحل بسيط ويكمن في :

  • صياغة خطاب أيديولوجي واضح لكل تيار في الوطن العربي ووضع أسسه و مبادئه القابلة للتطبيق على أرض الواقع.
  • التحرر من الأيديولوجيات الانفصالية والاستعبادية والاحتكارية التي نما المجتمع العربي في ظلها.
  • رفع وعي المواطن العربي بالتضادات الفكرية القائمة وضرورة التعامل معها كمتغيرات بنَّاءة وليست هدامة.
  • الاتفاق بين التيارات الفكرية على وضع مجموعة أسس وقواعد لمنطلقات العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتعريف موحد للوطن والهوية.
  • رفع الوعي بعوامل الثورة المضادة التي تسعى إلى إجهاض الثورات العربية والوقوف ضدها وإحباطها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست