رفاقنا الذين لم يكونوا “رفاقاً”

كانوا ثلاثة أشقاء، ريمون وهاني وفريد. توفي هاني وفريد، وصمد ريمون الذي قيل إنه يعمل الآن في الدفاع المدني. قفزت صورتهم في مجلة المسيرة، من “فيسبوك” أحد الأقرباء، لتستقرّ في القلب مباشرة، كرصاصة تحرق، عند عبورها بسرعة البرق، الجلد.  مقرفصين في ثيابهم القتالية التابعة لحزب القوات اللبنانية، يلقي واحدهم ذراعه على كتف الآخر، ويحدّقون في عدسة الكاميرا ويبتسمون. وجوههم تنضح بالرّقة. لا استعراض قوة، ولا وجود لأي سلاح، على شاكلة الصور الكثيرة التي في ذاكرتنا عن المقاتلين. فقط ثلاثة إخوة يتصوّرون وكأنهم في فرقةٍ كشفية، بل كأنهم بالفعل أبناء والدهم سليم، الطيّب الخلوق.

لا أخال أنهم تموضعوا لالتقاط الصورة، فقد احتل الصغير الوسط، محاطاً بالكبيرين. قُتل هاني، انتحر فريد، وبقي ريمون “البطل”، كما يسمّيه إلى اليوم بعض أهالي القرية ممن ما زالوا يتذكرون تلك الأيام. كنا، هم ونحن، أبناء العائلة الكبيرة نفسها، والحي نفسه في “الحارة التحتا”. وكنا، إذ نغادر بيتنا للصعود إلى الساحة، نمرّ ببيتهم ذي الواجهة الزجاجية العريضة، الذي تتقدمه فسحة كانت تملؤها والدتهم، السيدة البيضاء الخجولة، على عكس معظم نساء حيّنا الجبليّ آنذاك، بأصص النبات والزهور. في طفولتنا، كنا نلتقي في زياراتٍ قليلة، فهم كانوا ثلاثة أبناء وبنتاً واحدة، ونحن كنا ثلاث بنات وابناً وحيداً. ثم جاءت الحرب. واتجّه كلّ منّا إلى زاويةٍ معاكسة من سجّادة القتال، وجعلنا نشدّ. وجدنا لنا “رفاقاً” آخرين، رفاقاً هم مثلنا “على حق”، على عكس هؤلاء الذين لم يعودوا أهلاً لنا، طالما لا تجمعنا بهم وحدة الأفكار ومقتضيات المرحلة والرؤى السياسية والخندق الواحد. انخرط عديد من شبان القرية في القتال، ولم يعد منهم كثيرون. رفاق الطفولة ومواسم الصيف الجميلة قضوا في أعمارٍ لا يليق بها الموت، ككثيرين من شباب لبنان كله، المقصوفة أعمارهم قبل الأوان. لا أنسى وجه سليم المكلوم بفقد ولديه. لا أنسى وقوفه شبه الدائم أمام بيته ساهماً، عابساً، مطلقاً دخان سجائره المحترقة، واحدةً تلو الأخرى. ولا أنسى أسف أبي وحزنه الكبير عليه. “انكسر ظهر سليم” كان يردّد، “شابّان من خيرة الشباب، أف يا الله”.. كان سليم من أعزّ أصدقاء والدي. “آدمي وقبضاي ورفيق أيام الصبا”، يقول عنه، سارداً بعض المغامرات التي كانت تحملهما، وزمرة من الأصدقاء، إلى الاحتفال بزهرة شبابهم، من دون رادعٍ أو رقيب. كنا نقف على حوافي الطريق، نحن الذين من الضفة الأخرى، لم تتعدَّ أعمارُنا حدود المراهقة، تحت وابل الأرزّ وبتلات الورود، نودّع “العريس”، حزينين على موته من أجل قضية “خاطئة”، ناسبين إلى جماعته كل الأخطاء والتجاوزات و”قائمة من المساوئ”، تمدّنا بها الأحزاب التي كنا نراها على حق. لم يكن حزننا خالصاً. كان حزننا مقنّناً، مؤدلجاً، ناقصاً، وإن جاءتنا الدموع مكرَّرةً صافيةً، كنا نشرقها لنخفيها، معتذرين عن لحظة ضلال، عن زلّة ضعفٍ “برجوازي”. لا تغادرني صور التوابيت الراقصة مرفوعةً على الأكفّ، زغاريدُ الأمهات الملحّفات بالسواد، ودموع الآباء المطأطأةُ رؤوسُهم، السائلة ذقونُهم نحو الأرض، أصواتُ الرصاص الملعلعة حتى السماء، وأجراسُ الكنائس المتسارعة وقد أصابتها الفجيعة بمسّ. لكن، اليوم، وأنا أنظر إلى هذه الصورة لأبناء عمّي سليم، يرجعون جميعا إليّ، كل شبان لبنان الذين غادروا لخطأ فينا جميعاً، بوجوههم الفتية التي تنضح بالحياة، وأكاد أشعر أنهم، وأنا في هذا العمر وبعد مرور كل تلك السنوات السوداء، أبناء لي.

 وأتساءل، من أين تُرانا جئنا بهذه القدرة على صنع الخراب، بهذه المقدرة على هضم الموت، موت الآخرين، وموت المخالفين لنا والمختلفين عنا، وموت رفاقنا الذين لم يكونوا لنا “رفاقاً”، وإنما أكثر بكثير، وقد قدرنا حتى على موتنا نحن؟