من اعتداءات “موقعة الجمل” في ميدان التحرير (2 فبراير/2011/Getty)

في يوم الأربعاء، 8 مايو/أيار 2013، أصدرت محكمة النقض حكما باتّا ببراءة عدد من قيادات الحزب الوطني ورجال الأعمال المتهمين بجريمة الشروع في قتل متظاهرين سلميين، والتي حملت إعلامياً اسم (موقعة الجمل)، وكانت قد جرت وقائعها يوم 2 فبراير/شباط 2011، حين حاول مئات من بلطجية نظام حسني مبارك اقتحام ميدان التحرير لإخلائه بالقوة من الثوار، ليدافع المعتصمون في الميدان عن أنفسهم، ويحافظوا على الميدان، بعد معارك طاحنة، تحولت إلى مشهد عبثي، حين اقتحمت الميدان مجموعة من الخيول والجمال التي يركبها بعض أبناء منطقة نزلة السمان، الذين تم تحريضهم على اقتحام الميدان، بهدف إخلائه من المعتصمين الذين يتسببون في قطع أكل عيشهم المعتمد على السياحة، ليبقى ذلك المشهد حاضراً في أذهان الناس، ومثاراً للضحكات المريرة، في حين تم، بفعل التضليل الإعلامي، تغييب كثير من وقائع بطولات الذين دافعوا بدمائهم وأرواحهم عن ميدان التحرير، على الرغم من اختلاف تياراتهم السياسية والفكرية، ليكون نجاحهم الأسطوري يومها في الحفاظ على الميدان نقطة فاصلة في قيام ثورة يناير، بإطاحة حسني مبارك من على رأس السلطة.

كان حكم النقض صادماً، لكل من انتظروا تنفيذ محكمة النقض حكم أول درجة الذي قام بتبرئة المتهمين بشكل هزلي، لا علاقة له بالقانون أو العدالة، والمؤسف والمقرف أن سبب البراءة، هذه المرة، لم يكن له علاقة بوقائع القضية، ولا بشهادات النفي أو الإثبات، بل كان له علاقة بجريمة إجرائية، ارتكبها المستشار طلعت عبد الله، النائب العام المعين من الدكتور محمد مرسي، حين قام بتقديم الطعن في حكم البراءة الأول، بعد انتهاء المدة الزمنية التي حدّدها القانون بستين يوماً من تاريخ النطق بالحكم، ما أثار عاصفة من الغضب، مرفقة بتساؤلات عديدة عن سر ذلك التصرف المريب الذي حاول المؤيدون لمرسي اعتباره خطأً غير مقصود، يمكن إصلاحه مستقبلا، في حالة ظهور أدلة جديدة تدين المتهمين، في حين أثار بعضهم تكهنات حول وجود صفقة بين جماعة الإخوان المسلمين وقيادات الحزب الوطني لإغلاق ملف القضية، وهو ما شهدت بعكسه مجريات الأحداث فيما بعد 30 يونيو. وحتى الآن، لم يتضح بشكل قاطع، لماذا تأخر النائب العام المعين من مرسي، في اتخاذ إجراء شكلي بسيط، كان يمكن أن يحفظ حقوق شهداء وجرحى ذلك اليوم العصيب، الذي يغفل كثيرون أيضاً خطورة ما جرى في ليله، حين حاولت طلقات الرصاص أن تكمل ما بدأته السيوف والسنج والجمال.

“ستبقى الذاكرة أهم من الذكرى، فلا تستهينوا بها، ولا تهملوا تدوين ذكرياتكم، والحفاظ على ما لديكم من صور وفيديوهات وشهادات، سندرك جميعاً أهميتها في المستقبل، بإذن الله”

 كان من أبرز البيانات التي صدرت معلقةً على حكم البراءة الفاضح بيان أصدرته مجموعة (وراكم بالتقرير)، والتي شكلها أعضاء في لجنة تقصي الحقائق في أحداث ثورة يناير، والتي أطلق عليها الإعلام لقب (لجنة تقصي الحقائق الثانية)، تمييزاً لها عن اللجنة الأولى التي شكلها المجلس العسكري، عقب خلع مبارك، كان محمد مرسي هو الذي شكّل اللجنة الثانية، والغريب أنه حين تسلم التقرير الذي أنجزته اللجنة، قام بتحويله إلى نائبه العام، طلعت عبد الله، ليستقّر في درجه، من دون اتخاذ أي إجراءات جنائية، تتفاعل مع ما جاء به من شهاداتٍ خطيرة عن أحداث الثورة، ومنها يوم موقعة الجمل وليلته، بل ولم يقم حتى، بشكل سياسي، باستغلال ما جاء في التقرير الذي تم حجبه عن الشعب المصري. ولذلك، تم تشكيل المجموعة للضغط إعلامياً على محمد مرسي، لينشر التقرير، ويطلع عليه المصريون، وهو ما لم يتم للأسف الشديد. ولذلك، أصدرت المجموعة بياناً عقب حكم النقض بالبراءة، اعتبر أن “ما حدث من النائب العام خطأ جسيم، وهو متوقع في ظل انشغال النائب العام بملاحقة الثوار والسياسيين بدلا من القيام بدوره في تحقيق العدالة”، مضيفا أن “النائب العام لعب دوراً في إفلات المجرمين من العقاب، وقلد سابقه المستشار عبد المجيد محمود، وأضاع حقوق الشهداء”، ليطرح ما قاله البيان سؤالاً ردده كثيرون يومها “هل كان الإخوان سيصمتون على جريمة التفريط في حقوق الشهداء بتأخير الطعن عن موعده، لو كان قد قام بها عبد المجيد محمود، وهل كانوا سيعتصمون أمام مكتبه لحمايته ممن يتظاهرون ضده، كما فعلوا مع طلعت عبد الله”.

في هذا العام، تمر ذكرى يوم 2 فبراير، وقد أنست المذابح بعضها بعضاً، وتحول شركاء الميدان إلى أعداء، لا يرى كثيرون منهم حرجاً في قتل بعضهم بعضاً، ولا يفرق أغلبهم بين الخصومة السياسية واستباحة الدماء والأعراض، في حين أصبحت السلطة الحاكمة هي التي تفض اعتصامات الميادين ومظاهراتها بالرصاص الحي والجرافات، وبدعم شعبي سافرٍ سافل. وفي ظروف مأسوية كهذه، تبدو العدالة حلماً سخيفاً يخجل كثيرون من الجهر به، لا يبقى للمرء إلا أن يعتصم بذاكرته، محافظاً عليها من التزييف والمسخ، لأن بقاء الذاكرة حية أهم دائماً من إحياء الذكرى، فبه وحده يبقى الأمل في عدالةٍ حقيقية، لن ينصلح حال مصر إلا بها، مهما ظن أهلها غير ذلك.

ما أملك فعله في هذا اليوم هو المساهمة في إحياء الذاكرة، بأجزاء من شهادةٍ، كتبت في قلب ميدان التحرير، عقب نجاح الثوار في الحفاظ عليه، كتبها وأرسلها لي عقب كتابتها، الدكتور نبيل بهجت، أستاذ المسرح في جامعة حلوان والكاتب والمخرج المسرحي، والذي جمع الأعمال الكاملة لشاعر الشعب بديع خيري والشاعر المصري العظيم يونس القاضي، والذي كان مشغولاً، طوال أيام الميدان، بتوثيق ما يجري فيه بالفيديو والفوتوغرافيا والكلمة أيضاً، وأعرف آخرين غيره كانوا يفعلون ذلك، ولا زالوا يحتفظون بما لديهم من توثيقٍ حي لأيام الثورة التي ستساهم في كتابة تاريخها الحقيقي في يوم من الأيام، حين يدرك عموم المصريين أن بناء مستقبلهم لن يكون إلا بالاعتراف بما جرى في ماضيهم، من جرائم يندى لها الجبين.

يقول الدكتور نبيل بهجت: “في مساء يوم الثلاثاء 1 فبراير 2011، توقع البعض أن ينخفض عدد المتظاهرين في الميدان نسبياً، بعد المسيرة المليونية الحاشدة التي شهدها الميدان يوم 31 يناير، وبعد الخطاب الذي ألقاه مبارك، والذي عرف إعلاميا بالخطاب العاطفي، والذي أعقبه حشد إعلامي لشحن المصريين ودعوتهم للتظاهر تأييدا لمبارك. وبالفعل، انخفض العدد في صباح الأربعاء، وفوجئنا ببعض الأشخاص يقفون عند بوابات الدخول، يهتفون لمبارك، لكن عددهم كان قليلاً. ولذلك، تجنب الجميع الاحتكاك بهم، مر اليوم، وبدأنا نسمع في الثانية ظهرا عن أنباء تجمع لبضع مئات من مؤيدي مبارك عند ميدان عبد المنعم رياض. كنا، في البداية، نظنهم جاءوا من ميدان مصطفى محمود، للتظاهر بالقرب من الميدان، لكنهم سرعان ما أثبتوا أنهم جاءوا لهدف آخر، حيث بدأوا الاحتكاك بنا بالسباب، وتلا ذلك، في تمام الثانية والنصف تقريباً، جلبة وأصوات قرع سياط، وفوجئنا بالبلطجية فوق الخيول والجمال، يحملون السنج والسياط والعصي، لتعود الهجانة التي كنا نراها في الأفلام، وهي تضرب الناس بالسياط، نالني أحد سياطها. ولكن، بعد فترةٍ وجيزةٍ، سيطر الشباب على أحد هؤلاء، وأخذوا منه حصانه، فدب الخوف في قلوب رفاقه، وتراجعوا. هكذا كان المشهد الأول من الاحتكاك المباشر، احتمى الشباب بعدها ببعض السيارات، واضطروا لكي يصنعوا من ألواح الصاج التي كانت تستخدمها المقاولون العرب في موقع بناء لها بميدان التحرير، حائطاً متحركاً لصد هجوم بلطجية مبارك الذين جاءونا مؤيدين بالسنج والجنازير والسياط والأسلحة البيضاء.

بعد هذه الهجمة، تراجعوا وتجمعوا ليوحدوا صفوفهم، وكأنهم داخلون على حربٍ، وتشكلت لدينا خطة الدفاع عن الميدان، سريعاً وبشكل عفوي، فنحن عزّل ولا بد لنا من دفاعٍ عن النفس، وأوحوا إلينا بالسلاح، عندما أخذوا يهاجموننا بالحجارة. إنها الحجارة إذن، لم يكن لنا بد لكي ندافع عن حياتنا سوى استخدام بلاط الميدان، وتكسيره إلى قطع صغيرة، بعد تشكيل مجموعات عمل سريعة لتكسير البلاط، وأخرى لحمله ودفعه للرماة، وفريق استطلاعي يرصد تحركات مجموعات مبارك، وأخرى توزعت على المنافذ السبعة للميدان على مستويين، يفصل بين كل منهم قرابة 300 متر، كل هذا حدث في أقل من لحظات، بدأ الشباب يتراصون في صفوف متتالية، يحضن بعضه البعض بصدور عارية، وكأنها قصيدة (الكعكة الحجرية) لأمل دنقل تتشكل أمامي واقعا بيد الشباب المعتصمين.

بدأ الوقت يمر علينا، وزحف الظلام، فكانت الفكرة الأولى استدعاء الناس إلى الميدان. ولكن، كيف وحظر التجول قد بدأ فرضه من الثالثة عصراً وحتى الثامنة صباحاً، لم يكن لدينا خيار سوى الدعم المعنوي لبعضنا البعض، فأخذنا نشيع عن وجود مظاهراتٍ مؤيدةٍ تزحف إلينا. وبالفعل، حدثت مسيرة داخلية لتقنع المرابطين أن المدد وصل، وارتفعت معنويات الناس، وبدأنا في وضع المتاريس لحماية أنفسنا منهم، فقد بدا عليهم احتراف الإجرام، لما يحملونه من سنج وسيوف ومطاوي، كانت في أيديهم ساعات الهجوم وهتفنا جميعاً: حسني اتجنن.

كان الاشتباك الأول عند ساحة المتحف. وللأسف، بدأ فعلا بالإضرار بأطرافه التي تم إلقاء قنابل المولوتوف عليها. ذهبنا إلى الجيش، لنناشده حماية المتحف من هؤلاء، فلم يستجب قائد الكتيبة التي كانت تقف عند المتحف في الوقت ذاته. وضع أحد الضباط في الكتيبة التي تقف في بداية شارع طلعت حرب المسدس في فمه، وقال لمن يعلوه رتبة: إذا لم تأمرني بحماية المتظاهرين سأقتل نفسي، وقد كان، بدأ الجيش حماية شوارع الجامعة الأميركية وطلعت حرب والقصر العيني بشكلٍ ساعد المتظاهرين على تخفيف الضغط عليهم. بدأنا ننتقل من شارعٍ إلى آخر، وشاهدت بسالةً لم أر لها نظيرا، كان البعض يطرق على الحديد، ليحدث أصواتاً مدوية، كإشارات لتجمع الشباب عند منفذ معين، وفي الوقت الذي كنا نعاني تحت الضغط ونبتكر الحيل لدفع البلطجية عنا، بعد أن أنهكنا التعب، كان هناك مذياعٌ يذيع أحاديث الإذاعة الرسمية البالية عن دعاة الشغب، كان الإعلام الرسمي يقول، بكل وقاحة، إن الموضوع يتلخص في مجموعتين من البلطجية، تتصارع على الميدان. وكان بعض المراسلين في البرامج الفضائية يضللون الرأي العام، ويزعم بعضهم أن بيننا إيرانيين وأفغان وباكستانيين، مع أنه لم يكن بيننا من أجانب إلا بعض مراسلي وكالات الأنباء الأجنبية، فمن أين جاءوا بالحديث عن تلك الوجوه.

لقد وصفنا الإعلام يومها بالبلطجة، فهل عضو المجلس الأعلى للثقافة وعضو اتحاد الكتاب وعضو نقابة المهن التمثيلية والأستاذ الجامعي والمسرحي بلطجي، والطبيب الذي كان بجواري بلطجي، والشاعر الذي لم اره منذ سنوات وتقابلنا سوياً، ونحن ننحني لالتقاط الأحجار، بلطجي، ومدير إحدى أهم شبكات المعلومات بلطجي، وأعضاء هيئة التدريس بلطجية، والمهندسون والموظفون والعمال والأزهريون والقساوسة والمحامون والأطباء الذين جهزوا مراكز لإسعافنا بلطجية، وشباب الجامعات بلطجية. ولماذا صمتوا عن بلطجية الرئيس الذين استخدموا ضدنا أمس قنابل المولوتوف والقنابل المسيلة للدموع. وفريقاً من الهجانة، وأخيراً الرصاص الحي، كان بلطجية الرئيس قد كسروا أبواب العمارات المغلقة المواجهة للمتحف المصري، واستخدموها لإمطارنا بقنابل المولوتوف والحجارة. ولكننا كنا مصرّين على الصمود والدفاع عن أنفسنا. وبعد فترةٍ، تمكنا من التقدم والقبض على البلطجية المتمركزين فوق العمارات، وتم احتجازهم دون إيذائهم، وسيطر المتظاهرون على كل المواقع التي استولى عليها بلطجية الرئيس من أسطح المنازل، واحتجزنا منهم ما يقارب 15 فرداً، وكان مثبتاً في بطاقات هويات بعضهم أنهم رجال أمن، وأما الآخرون فكانوا من البلطجية معتادي الإجرام، حتى إنه كان واضحاً جداً أنهم قد تناولوا مواد مخدرة، أثرت على وعيهم بشهادة بعض الأطباء الذين تواجدوا بالميدان. واعترف هؤلاء أنهم قد تم تأجيرهم من قبل بعض نواب مجلس الشعب بوجبة غذائيةٍ، وبمبالغ تتفاوت بين خمسين ومائتي جنيه، وقد أخذنا بعض الدراجات البخارية لهؤلاء، فاعترف بعضهم بسيطرتهم على إحدى الدراجات البخارية التي تنتمي للحرس الجمهوري، وأيضاً على عربة شرطة.

“حتى الآن، لم يتضح بشكل قاطع، لماذا تأخر النائب العام المعين من مرسي، في اتخاذ إجراء شكلي بسيط، كان يمكن أن يحفظ حقوق شهداء وجرحى ذلك اليوم العصيب، الذي يغفل كثيرون أيضاً خطورة ما جرى في ليله، حين حاولت طلقات الرصاص أن تكمل ما بدأته السيوف والسنج والجمال”

بعدها، اشتدت المواجهات، واستطاع المتظاهرون تطهير ميدان التحرير من أعوان مبارك من أمناء الشرطة والمرتزقة والسيطرة عليهم، وكنا إذا سيطرنا على أحدهم، بعد نفاد ذخيرته، تعلو الصيحات من بيننا: “ماحدش يضربه، ثورتنا ثورة سلمية سلمية”، حتى بعد أن سقط منا البعض بالرصاص الحي الآتي من فوق الكوبري، كان بعضنا يلتف حول من يقبض عليه منهم، كسياج لحمايتهم من الغاضبين. ونتيجة لهذه الهجمات بالرصاص والمولوتوف، وقع مئات الجرحى من المتظاهرين، ولم يعد المستشفى الميداني الذي أقيم في أحد المساجد القريبة كافياً لاحتواء المرضى وعشرات الأطباء المتطوعين، فقام الأطباء بعمل مستشفى ميداني في قلب مكان المواجهات، بجوار المتحف المصري. وبعد 12 ساعة من المواجهات، فرّ الهاربون منهم، فوقفوا على كوبري أكتوبر، بمواجهة عبد المنعم رياض. وحوالي الساعة الثالثة صباحاً، دوّت أصوات عدة طلقات، قبل أن تصيب العزل، فهرول المتظاهرون يحملون المصابين بالأعيرة النارية في الرأس والبطن والأقدام. وبعدها سمعنا طلقاتٍ ناريةً على أوقات متفرقة، أحدها طلقات متتالية، ربما يكون مصدرها رشاشاً آلياً. وفي تلك اللحظة، توجه المتظاهرون لكتيبة الجيش التي كانت تتمركز عند المتحف، ولم تبد أي استعداد للتدخل، عدا إطفاء بعض الحرائق التي كانت تشعلها قنابل المولوتوف التي كان يلقيها أنصار مبارك من أسطح الأبنية. ومن كوبري أكتوبر، اتجه بعضنا إلى هذه الكتيبة، وبدأوا بالتفاوض معهم، ليطلقوا ولو طلقة واحدة في الهواء، وصرخ فيهم البعض: أعطونا اسلحتكم، نحميكم ونحمي أنفسنا. هنا، تدخل الجيش بعدها، وسيطر نسبياً على الموقف، بعد أن أصابت طلقات مؤيدي مبارك نحو 22 فرداً، سقط منهم قرابة 6 شهداء، وظلت فلول منهم، تحاول استفزازنا بالإشارات البذيئة تارة، أو بقذف الحجارة. وكنا نعلم أنها محاولة لإنهاكنا، فهم، كما تأكدنا من هويات الذين قبضنا عليهم، ليسوا سوى رجال أمنه الذين أخفاهم فجأة، وعادوا إلينا في زي مؤيديه.

لقد سطر الشباب بدمائهم يوم الخميس يوماً بطولياً من بطولات هذا الشعب الذي حاول مبارك وأعوانه طمس ملامحه على مدار 30 عاماً، كان الشاب يُجرح، فيذهب إلى إحدى نقاط الإسعافات الأولية يداوي نفسه، ويستريح دقائق يجفف دماءه، ويعود بعدها للمواجهات، لم يخرج أحد منا دون جرح، وكنا نسخر ونقول: “من غرزة لعشرة ما يعتبرش الواحد جريح”. ولم يؤثر في نفسنا إلا قتل بعض المتظاهرين بدم بارد، عندما أطلقوا الرصاص الحي على صدورهم ورؤوسهم. أخيراً، استقبلنا الفجر وكانه زائر عزيز، وجاء نور الصباح ليملأنا أملاً بأن المتظاهرين سيأتون إلينا، وقد وفينا لهم ولمصر بوعدنا أن أعوان مبارك لن يأخذوا الميدان إلا على أجسادنا. بدأنا نراهم وكأنهم نبضات أملٍ، تأتي إلينا يحملون معهم طعاماً ودواءً، وكل ما نحتاجه، جاءوا ليستلموا مواقعنا، وقد وفينا لهم بما وعدنا، ونشير إلى جروحنا في سخريةٍ، ويردد بعضنا: إذن، هذا هو مفهوم مبارك للانتقال الآمن للسلطة، ليجيء الصباح، ومعه نداء واحد يقول: حاكموا الذين أطلقوا الرصاص على الأبرياء، ومن أمرهم بذلك، ومن سكت على ذلك”.

لا زال النداء الذي تحدث عنه الدكتور نبيل بهجت في شهادته يبحث عمن يلبيه، ليس فيما يخص موقعة الجمل وحدها، بل فيما يخص كل المذابح من “ماسبيرو” إلى “رابعة”، ومن “ستاد بور سعيد” إلى “سجن بور سعيد”، ومن “محمد محمود” إلى “كرداسة”، ومن “المنصة” إلى “مجلس الوزراء”، وحتى يجد ذلك النداء من يلبيه، ستبقى الذاكرة أهم من الذكرى، فلا تستهينوا بها، ولا تهملوا تدوين ذكرياتكم، والحفاظ على ما لديكم من صور وفيديوهات وشهادات، سندرك جميعاً أهميتها في المستقبل، بإذن الله.