العقل الغربي وأزمة النفط

محمد الصادق

مع انهيار أسعار النفط، خرجت معظم الصحف الغربية بتحليلات كثيرة حول أوضاع الدول المنتجة للنفط، أو الدول التي تعتمد ميزانيتها على النفط بشكل كامل، حول مستقبلها القريب والبعيد. ومن الملاحظات المثيرة للاهتمام أن الغرب لا يكف، في تعامله مع هذه الدول، كأنها فتاة قاصر، دائماً ما تحتاج إلى رعاية وتوجيه من الدول الأكثر تقدماً وتحضراً وإدراكاً لما يجب أن تقوم به الدول النفطية، لكي تنجو من الهلاك.

كثيرة السيناريوهات التي كُتبت عن انهيار أسعار النفط، بعضها أرجعه إلى الدورة الاقتصادية التي تحصل لأي منتج، حيث لا يمكن لأسعار النفط أن تأخذ شكلاً تصاعدياً على طول الخط، خصوصاً أن المعروض في السوق يفوق حجم المطلوب، بما يقارب مليوني برميل يومياً، أي استهلاكا يوميا لبلد بحجم فرنسا. هذا على الرغم من وجود دول نفطيةٍ، لا تنتج بطاقتها المعهودة، كالعراق وليبيا، التي تعاني من حروبٍ داخلية، أو إيران التي رُفع عن نفطها الحظر أخيراً، حيث تشير تقديرات إلى أن في وسع إيران رفع إنتاجها بمعدل 800 ألف برميل إلى مليون برميل يومياً، بما قد يضاعف الضغط على الأسعار. يُرجع آخرون أسباب انهيار الأسعار لرغبة المملكة العربية السعودية، المنتج “المرجح” والأكبر في سوق النفط، للضغط على خصومها السياسيين في روسيا وإيران، حيث تشترك هذه الدول جميعها في اعتماد اقتصادها على النفط بشكل أساسي، لكن الغرب لا يشير إلى هذه الدول بالقدر نفسه من الضرر والتهويل، كما يركز على دول الخليج، محاولاً الاستفادة من هذه الفترة المضطربة بين دول الخليج وإيران، للضغط على الأولى وابتزازها قدر الإمكان.

بعيداً عن هذه التحليلات، هل يؤدي تراجع سعر النفط، أو انهياره، إلى اضطرابات سياسية في هذه الدول، كما يصور الإعلام الغربي، أم أن هذه الدول تستطيع أن تتجاوز هذه المرحلة كما تجاوزت مثيلاتها من قبل بأقل الأضرار. ما الذي يجعل الغرب يعتقد أن انهيار أسعار النفط وتراجع مقدرة دول الخليج على الإنفاق محلياً سوف يؤدي إلى تغيرات سياسية كبيرة؟

لا تكاد النصائح التي يوفرها العقل الغربي لدول الخليج تأتي بجديد عمّا سبق للغرب أن قدمه لدول شرق أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أو دول كاليونان وإسبانيا والبرتغال، حينما واجهة أزمة اقتصادية خانقة. الاتجاه نحو مزيد من الضرائب والخصخصة، أي رمي الحمل على المواطن بالتخلص من أعباء الإنفاق التي تتحملها الحكومة تجاه مواطنيها، من خلال رفع الدعم عن بعض السلع والتخلص من بعض المؤسسات غير المنتجة، فالغرب، بشركاته العملاقة، يعلم علم اليقين، أن الخصخصة تعني، فيما تعني، فتح مزيد من الأسواق والفرص أمام الرأسمال الغربي لدخول هذه الأسواق والسيطرة عليها، وهذا تحديداً ما حدث لليونان، حينما وضعت ألمانيا التي تهيمن على قرار الاتحاد الأوروبي شروطها لمساعدة الاقتصاد اليوناني، فقد اشترت شركات عملاقة مصانع يونانية كثيرة، بما حول الاقتصاد اليوناني إلى ما يشبه النظام الريعي الذي يعتمد على تصدير المواد الأولية واستيراد المنتجات الغربية، بدلاً من العمل على إيجاد اقتصاد إنتاجي. هذه الوصفة السحرية، أعني الخصخصة كما يروجها الغرب، سوف تزيد الضغط على المواطنين في الخليج، بدلاً من إراحتهم، لأن الدولة سوف تتنازل عن دورها في تقديم بعض الخدمات الأساسية.

“الأزمة الاقتصادية الحالية قاسية، وقد تأتي بانعكاساتٍ سلبيةٍ على المجتمعات الخليجية، لكن المبالغة في توصيف مستوى التغيرات السياسية المتوقعة لا تستند إلى أرضيةٍ صلبة”

تنطلق الذهنية الغربية في توصيف حالة الدول المعتمدة على النفط مما عُرف في أوروبا “بالمرض الهولندي”، أي أن العملية التي تسبب طفرةً في قطاع الموارد الطبيعية لبلد ما سوف تحدث انخفاضاً في قطاعيه، الصناعي والزراعي. وهذا تماماً ما حدث في دول الخليج التي ازدهر فيها اقتصاد الخدمات والعقار، وانخفض فيها القطاعان، الزراعي والصناعي. خصوصاً قطاع المقاولات التي ترتبط بالخدمات البترولية، وهي عادة ما تدر أرباحاً سهلة، مقارنة بالقطاع الصناعي الذي يحتاج إلى دعم الدولة على أكثر من صعيد، إذا ما أريد له النهوض؛ لأن تكاليفه الأولية مرتفعة، ونوعية التدريب التي يحتاج إليها عالية، وهذه ظروفٌ لا يمكن أن تتوفر مع وصفةٍ غربيةٍ، تطالب دول الخليج بتقليص دعمها للمؤسسات الرسمية والتخلص من بعضها.

تعتمد الفكرة الغربية البليدة في تخويف دول الخليج على النص الليبرالي الكلاسيكي القائل إن انهيار أسعار النفط بالنسبة لدول الخليج سوف يضعف إنفاق الدولة، ويقلص من حجم الرفاهية والاستهلاك بالنسبة لمواطنيها، بما سيقود، بالضرورة، إلى خسارة الطبقة الوسطى مكتسبات فترة الازدهار. ثم يواصل تحليله أن هذا سينتج غضباً اجتماعياً على هذه الحكومات. وبالتالي، سوف تتحرك هذه الطبقة للضغط عليها عن طريق ” التمرد” أو الاعتراض بالتظاهر والاحتجاج، لكن هذا العقل الغربي لا ينتبه، أو لا يريد أن ينتبه، إلى أن الطبقة الوسطى، في هذه الدول، ليست طبقة وسطى مستقلة عن السلطة وشبكة علاقاتها، بل هي خاضعة لها، بشكل أو بآخر. بمعنى أن الطبقة الوسطى في الدول النفطية لا تشبه الطبقة الوسطى في الاقتصاد الإنتاجي، أو لا تتطابق معها في الجوهر على الأقل، وإن كانت تتشارك معها بعض السمات. لذا، نجد أن الغرب لا يتحدث عن ضرورة التحول من اقتصادٍ ريعيٍّ إلى اقتصادٍ إنتاجي في روزنامة توصياته التي يجود بها، لأن هذا الخيار سوف يضر بمصالحه التي تعتمد على إبقاء هذه الدول مستهلكةً لا منتجة.

الأزمة الاقتصادية الحالية قاسية، وقد تأتي بانعكاساتٍ سلبيةٍ على المجتمعات الخليجية، لكن المبالغة في توصيف مستوى التغيرات السياسية المتوقعة لا تستند إلى أرضيةٍ صلبة، فالمجتمع الخليجي لازال يُحسن الظن بمقدرة حكوماته على الخروج من هذه الأزمة، وإعادة الأمور كما كانت عليه.