الحلم يتحوّل كابوساً… سورية نموذجاً

سمير الزبن

ولد الربيع العربي، في بدايتيه التونسية والمصرية، واعداً بتغير سلس، وأظهر أن المنطقة تنتمي إلى زمن العالم الحقيقي بالمطالبة المشروعة بالحرية والديمقراطية. وكانت إطاحة رأسي النظامين في تونس ومصر السهلة، إضافة إلى العوامل الموضوعية الكثيرة التي تستدعي أكثر من ثورة في البلدان العربية، قد أصابت بالعدوى بلداناً أخرى في انطلاق ثوراتها، وبدأت المنطقة كأنها تعيش حالة انهيار أحجار الدومينو، وأن عجلة التغيير ستنتقل إلى دولٍ كثيرة، بما يتجاوز الدول العربية إلى الدول المحيطة.


جاء التعثر الأول من ليبيا، والتعثر المزمن من سورية، تبعتها اليمن، وهو ما غيّر الصورة الواعدة والوردية للتغير في المنطقة، وأوجد حاجزاً في وجه انتقاله إلى دول أخرى في المنطقة ومحيطها، وظهرت كلفة التغيير وعمق الخراب الذي تسببت به أنظمة الاستبداد المديدة أكبر من تقديرات أكثر المتشائمين سوداوية.
يمكن القول، اليوم، إنه تم فعلا احتجاز الربيع العربي في سورية، ليس بفضل أصدقاء النظام السوري المخلصين، مثل روسيا وإيران فحسب، بل وبفضل ما يسمى “أصدقاء الشعب السوري” أيضاً، ولا يبدو أي من المتورطين في الصراع السوري يعمل على حل هذا الصراع الدموي، فنحن نشهد اليوم أكبر عملية ظلم تاريخي معلن لشعبٍ في القرن الواحد والعشرين، مأساة شعب قرّر كل المتورطين في الصراع إبقاءه في صراع دموي، مفتوح على زمن يبدو لا نهائيا. وهو ما تبشر به مفاوضات، يبدو أن مصممها استعارها من تجربة المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية التي انشغلت بشكل المفاوضات، لا بقضاياها، ما يجعلها “طبخة بحص”. هذا الوضع المصنوع بفعل إرادة الأطراف المتصارعة، وليس بفعل عوامل موضوعية، حول حلم التغيير إلى كابوس دموي، وحوّل مطالب التغيير إلى وصفة لتدمير البلدان، حسب ما يروج، لا أعداء الشعب السوري وحدهم، بل وأصدقاؤه أيضا. وتحول النموذج الواعد في التغيير إلى حالةٍ محبطة، تجعل من الزمن السابق على الربيع العربي يبدو زمناً وردياً، وتعطي الدرس البليغ، أن مطالب التغيير لم تجلب إلى المنطقة سوى مزيد من الخراب والتفكك. وصل هذا الدرس القاسي، حتى إلى مؤيدي الثورات، وأصبحت سورية المثل الذي يضرب على تحول حلم التغيير إلى كابوس مدمر، ولا يتوقف عن التدمير.

“نشهد اليوم أكبر عملية ظلم تاريخي معلن لشعبٍ في القرن الواحد والعشرين، مأساة شعب قرّر كل المتورطين في الصراع إبقاءه في صراع دموي، مفتوح على زمن يبدو لا نهائيا”

عندما انطلقت الحناجر في سوق الحميدية في منتصف مارس/ آذار من العام 2011 مطالبة بالحرية في وسط دمشق، كانت صرخات مجموعة الشبان الصغيرة رمزاً لفك عقدة الخرس السورية، بعد أكثر من أربعة عقود على حكم عائلة الأسد. قبل نهاية الشهر نفسه، كانت صرخات أهالي درعا المحتجين على اعتقال أطفالهم التعبير العملي على عدم القبول بمنطق الإخراس نفسه، ولم يعد الصمت ممكناً في “مملكة الصمت” حسب التوصيف المكثف لرياض الترك للحالة السورية.
ومن اللافت أن النظام السوري، وبحساسيته الأمنية المفرطة، واستجابة للعربي العربي، استعد باستراتيجيةٍ أمنيةٍ دمويةٍ، وفقط أمنية، لمواجهة المطالبات المتوقعة من السوريين، تم تسريب هذه الإستراتيجية في حينها، نفت أوساط النظام وجودها. لكن، واقعياً، تم تنفيذ كل بنود هذه الإستراتيجية الأمنية بحذافيرها، وكنت شاهداً على التعزيزات الأمنية التي أرسلت لمواجهة المظاهرة الصغيرة الأولى التي انطلقت في منتصف مارس/ آذار عام 2011، امتد صف المكيروباصات التي جلبت عناصر الأمن، من أمام باب الجابية، وصولاً إلى ما بعد القصر العدلي في شارع النصر، لمن يعرف دمشق. عشرات المكيروباصات التي نزل منها مئات رجال الأمن، هذا غير الراجلين أصلاً، لمواجهة أقل من مائة شاب دوّت صرخاتهم التي كسرت جدار الصمت في سوق الحميدية.
تعامل النظام معهم بوصفهم تهديداً جديّا لأسسه. لكن التهديد الجدي فعلياً جاء من سياسات النظام القمعية الوحشية الحمقاء، نظام سياسي متكلس (محكوم من رجل ميت) على رأسه شخص مشكوك بقواه العقلية، ورث كرسي رأس النظام من مصمم النظام الذي بناه على مقاسه، بوصفه إلهاً أرضياً، وكان المنصب أوسع من إمكانات الوارث بكثير، لكن كل الصلاحيات الشاملة والمطلقة التي صممها الأسد الأب لنفسه، من أجل تحويل سورية إلى “مملكة الصمت”، ورثها الابن عن الأب كاملة. صمم الأسد الأب الآلية الرئيسية لحماية النظام في سورية، بوصفها آلة قتل من نموذجٍ استعماريٍ غريب عن البلد نفسه، وقد تم تجريبها (الناجح) في الإخضاع الدموي لمدينة حماة في مطلع 1982، فقد تم تغيير معالم المدينة بسياسة الأرض المحروقة، وتجاوز التدمير المنظم الحاجة العسكرية للسيطرة على المدينة، ليكون درساً دموياً لكل البلد. وتبدو تلك السياسة في حماة العام 1982 بروفا أولية لقدرة النظام على صناعة المجازر الدموية التي انطلقت منذ مارس/ آذار 2011، والمستمرة اليوم، ولا أحد يعرف نهاية لها.
لم تكن هناك أي إستراتيجية سياسية، لمواجهة مطالب السوريين “المحقة” حسب رأس النظام، و”لكن”، وهذه الـ”لكن” تَجبُّ كل شيء محق، بوصفها تغطي على “مؤامرة كونية” تستهدف سورية وصمودها، والمؤامرات لا يمكن التصدّي لها إلا بإستراتيجية أمنية، فلم يكن من رأس النظام سوى تشغيل آلة القتل التي صممها الأسد الأب، واستيراد آليات القتل الإيرانية والروسية، للمساعدة في قتل السوريين.

“شكلت الثورة السورية عاملاً كاشفاً للخراب الذي نخر سورية طوال هذه العقود، خراب وصل نقي العظام”

لم يكن بقاء النظام السوري ممكناً، لولا تضامن عاملين رئيسيين، إضافة إلى سياسة النظام الاحتلالية التي تمثلت بالأرض المحروقة الدموية، وأخرجت أردأ ما في النظام، ودفعت إلى الواجهة الشخصيات الأكثر دموية وطائفية.
العامل الأول، هو الحماية الدولية الصلبة التي توفرت للنظام على المستويين، الدولي والإقليمي، فقد وقفت روسيا والصين في مجلس الأمن ضد أي قراراتٍ تمس النظام السوري من قريب أو من بعيد، وحافظت روسيا على تدفق السلاح للنظام. وفي خطوةٍ لاحقةٍ، دخلت بذاتها في عميلة قتل السوريين. وإقليمياً، كان الدعم الإيراني غير محدود، ليس على المستوى المالي فحسب، بل حتى على مستوى القوى البشرية أيضاً، فعندما ظهرت على النظام علامات انهيار، زجّت إيران بمليشياتٍ لبنانيةٍ وعراقيةٍ وأفغانيةٍ، تأتمر بإمرتها، خاضت المعارك عن النظام، وحمته في مواقع كثيرة في حمص، الغوطة الشرقية، القلمون وغيرها… وهو ما فعله، اعتباراً من نهاية سبتمبر/أيلول المنصرم، الطيران الروسي الذي تمركز في مطار اللاذقية.
العامل الثاني، هو ضعف والهزال في دعم “أصدقاء الشعب السوري” التغيير على المستوى الدولي والإقليمي، فلم تكن هناك إرادة دولية، خصوصاً عند الولايات المتحدة لإطاحة النظام، بتبرير عدم معرفة طبيعية “البديل”، وكان من الواضح أيضاً أن الدول الإقليمية الداعمة للمعارضة السورية ليست جادة في دعمها من أجل إسقاط النظام، بقدر ما تدعمها لتشكل أدوات تأثيرها في سورية، إلى درجة أن الأيادي الاستخبارية التي تعبث في الوضع السوري أكثر من أن تُحصى، خصوصاً أن هذا التأثير بات كبيراً وفاعلاً في ظل تدمير البنى الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية في سورية التي اعتمدها النظام، وفي ظل معارضة هشةٍ وضعيفةٍ أصلا. يبدو أن هذه القوى الإقليمية والدولية ترغب في اعتماد سورية موقعاً لامتصاص الخلافات والصراعات في المنطقة، والانتقال من “الصراع على سورية” إلى “الصراع في سورية”، سواء بين أعضاء الحلف الواحد، أو بين المتصارعين في الإقليم الذي لم يرغبوا أصلاً في نجاح الثورة السورية، لأن نجاحها يجعلها نموذجاً جاذباً للتغيير، بينما هي أصبحت اليوم مثالاً لعواقب التغيير الكارثية. وبذلك، ترث سورية الدور الذي لعبته لبنان في السبعينات، في فترة الحرب الأهلية، حالة امتصاص لصراعات الآخرين على الأراضي اللبنانية.
لولا الخراب المنظم والعشوائي الذي تعرّض له المجتمع السوري على يد عائلة الأسد أربعة عقود، لما كان العاملان السابقان ليصيرا فاعليْن بشكل حاسم في الحالة السورية. فقد شكلت الثورة السورية عاملاً كاشفاً للخراب الذي نخر سورية طوال هذه العقود، خراب وصل نقي العظام. كان المجتمع السوري موقعاً لاختبار ألاعيب الأسد الأب، إلى درجة تحويله إلى مجتمع معوّق. واليوم، يعتقد النظام أنه قادر على البقاء في ظل هذه الشروط الدولية والإقليمية والداخلية وقتاً طويلاً. ويثبت أن هناك إمكانية في العالم لعيش نظام سياسي مجرم وقاتل أسوأ من نظام كوريا الشمالية الذي كان الأسد الأب معجباً به، واستورد منه تجربتي طلائع البعث والتوريث الجمهوري، ويستورد الوريث منه اليوم تجربة المجاعة.