أوباما شديد الحذر في العودة عسكرياً إلى المنطقة (يناير/2016/أ.ف.ب)

مروان قبلان

عندما يصار إلى تناول السياسات الخارجية الأميركية في إطارها العام، يجري توصيفها غالباً بأنها سياسات انعزالية أو تدخلية، وفقاً للسياقات الدولية ذات الصلة، والوضع الأميركي الداخلي، وفلسفة الإدارة الموجودة في الحكم. وتأتي السياسات الانعزالية أيضاً استجابةً لمزاجٍ شعبي، يميل إلى الإنسحاب من شؤون العالم، بعد مغامراتٍ خارجيةٍ طويلةٍ ومكلفة.

حصل هذا خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى، حين قرّرت واشنطن أن تعيد قواتها من أوروبا، وأن تركز على مصالحها في الجزء الغربي من الكرة الأرضية. أعاد نشوب الحرب العالمية الثانية واشنطن إلى المسرح العالمي، وهي لم تغادره منذ ذلك الحين، نتيجة تحولها إلى قوة عظمى بمصالح عالمية، لكنها باتت تتبع سياساتٍ تنحو حيناً إلى التورط مباشرةً، وتنحو أحياناً إلى القيادة من الخلف، حيث يجري تجهيز وتمويل وتدريب حلفاء إقليميين أو محليين يكفونها أعباء التدخل المباشر. وقد تم اعتماد هذا الأسلوب الأخير، خصوصاً بعد نشوء عقدة فيتنام التي أجبرت الولايات المتحدة على كبح جماح مغامراتها العسكرية الخارجية، واعتماد مبدأ “الوكالة” حتى انتهاء الحرب الباردة.
مع انهيار الإتحاد السوفييتي، وعرض القوة الذي قدمته في مواجهة العراق عام 1991، تخلصت واشنطن من عقدة فيتنام، واستعادت الثقة بنفسها، وعادت إلى ممارسة التدخل المباشر، وتجلى ذلك تحديداً في غزو أفغانستان، ثم العراق مطلع العقد المنصرم. لكن العراق أغرق الولايات المتحدة في ورطةٍ، أخذت تحاول الخروج منها بأي ثمن. وصول الرئيس باراك أوباما إلى السلطة تمحور أصلاً حول فكرة الانسحاب من أزمات العالم، والتفرغ لمعالجة الآثار الكارثية لسياسات التدخل المفرط على الوضع الداخلي الأميركي الذي ازداد سوءاً بفعل الأزمة المالية العالمية التي ضربت الولايات المتحدة وعموم العالم الغربي، صيف عام 2008. وقرّر الرئيس أوباما، بناء عليه، أن ينسحب بأي شكل من العراق، بحلول نهاية عام 2011.

استغلت إيران الاستعجال الأميركي في الخروج من العراق، فطلبت إلى حلفائها في السلطة المماطلة في الاستجابة لشروط توقيع اتفاقية “وضع القوات” (Status of Forces Agreement) المعروفة اختصاراً باسم (SOFA)، والتي كان يفترض أن تنظم وضع القوات الأميركية التي كان الرئيس أوباما يعتزم تركها في العراق، لأغراض تدريبية واستشارية، ولحماية المصالح الأميركية، وقدر قوامها حينها بـ 5000 جندي. في نهاية المطاف، خرج أوباما من العراق، من دون أن يوقع الاتفاقية، مجلياً جميع القوات الأميركية منه، فيما خلا وحدة عسكرية صغيرة، مخصصة لحماية السفارة الأميركية في بغداد.

“يتجه الرئيس أوباما، في السنة الأخيرة من ولايته الرئاسية الثانية، إلى مزيد من التورط العسكري المباشر في قضايا الشرق الأوسط، بعد أن كان يفرّ منه فرار السليم من المجذوم”

وحتى يواجه الاتهامات التي وجهت إليه بتقديم العراق على طبق من فضة لإيران، وضع أوباما برنامجاً لتأهيل قوات الجيش العراقي والقوى الأمنية الأخرى وتدريبها وتجهيزها، وراح يغدق كل أشكال الدعم على حكومة المالكي، واضعاً رأسه في الرمال، ومتظاهراً بأن كل شيء على ما يرام.

بعد أقل من ثلاث سنوات على الخروج اللامسؤول من العراق، وترك البلد نهباً لإيران ومليشياتها وحلفائها، اضطر أوباما إلى العودة، بعد أن صعد تنظيم الدولة، واستولى على ثلث مساحة العراق، وأخذ مع تبيان فشل سياساته يرسل مزيداً من القوات، حتى غدا عددها مع نهاية العام 2015 يتجاوز الـ 5 آلآف جندي، وهو العدد نفسه الذي كان يفترض أن يبقى بعد الانسحاب، لا بل قرر أوباما، أخيراً، أن يرسل كامل الفرقة 101 المجوقلة إلى العراق، كما أمر بنقل قيادة الفرقة من ولاية كنتاكي إلى الكويت، لقيادة “عمليات التدريب والاستشارة للقوات الأمنية العراقية” ضد تنظيم الدولة، كما جاء في بيان البنتاغون.

وعلى الرغم من التأكيد الأميركي على أن دور هذه القوات يقتصر على التدريب والمشورة، إلا أنه بات جلياً أن هذه القوات تشارك في عمليات قتالية، كما حصل أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عندما حصلت عملية إنزال على سجن لداعش في الحويجة، قتل فيها جندي أميركي، كما أرسلت واشنطن مزيداً من قواتها المجهزة بمعداتٍ ثقيلة إلى قاعدة عين الأسد الواقعة على مقربةٍ من الحدود الأردنية، في إطار عملية زيادة عدد القوات الأميركية المنخرطة في تنظيم أبناء العشائر في مواجهة تنظيم الدولة.

أما في أفغانستان التي كان مقرراً أن يغادرها هذا العام معظم القوات الأميركية، فقد اضطر الرئيس أوباما إلى تأجيل سحب قواته من هناك إلى ما بعد انتهاء ولايته، بعد أن تمكنت “طالبان” في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي من السيطرة لفترة قصيرة على مدينة قندوز الاستراتيجية الواقعة على الحدود مع طاجيكستان.

ليس أن أوباما لن يتمكن من إخراج بلاده من العراق وأفغانستان، بل يبدو أنه يتجه إلى التورط أكثر في الصراع السوري، بعد أن سيطر تنظيم الدولة على نصف مساحة البلاد، وفاجأه التدخل الروسي لإنقاذ النظام المترنح. إذا قرر أوباما، ولأول مرة منذ بداية الأزمة، نشر جنود أميركيين من القوات الخاصة في سورية (50 جندياً)، قبل أن يتورط أكثر، ويقرّر توسعة (وتأهيل) مطار الرميلان الزراعي الصغير الواقع في أقصى شمال شرق البلاد عند المثلث السوري العراقي التركي إلى قاعدة عسكريةٍ، تستخدمها الطائرات الحوامة.

وفي العموم، يصبح التورط عسكرياً في نهاية عهد أي رئيس أميركي أكثر سهولةً منه في بدايته، إذ يميل الرؤساء إلى إنهاء عهودهم بإنجازاتٍ من نوع ما، أو يتدخلون بتأثير ضغط الحملات الانتخابية، أو لغايات ومصالح استراتيجية، أو حتى لغايات شخصية. هذا ما حصل عندما قرّر الرئيس رونالد ريغان غزو بنما في آخر عهده، وعندما قرّر الرئيس جورج بوش الأب التدخل في الصومال في عز الحملة الانتخابية التي خسرها عام 1992، وهكذا فعل بيل كلينتون عندما تدخل في كوسوفو في العام الثالث من ولايته الثانية (1999).
وهكذا، يتجه الرئيس أوباما، في السنة الأخيرة من ولايته الرئاسية الثانية، إلى مزيد من التورّط العسكري المباشر في قضايا الشرق الأوسط، بعد أن كان يفرّ منه فرار السليم من المجذوم. وعلى الرغم من أن أوباما يبدو شديد الحذر، وهو ينزلق ببطء نحو العودة عسكرياً إلى المنطقة، إلا أن هذا التدرج يشكل السمة العامة لمعظم التدخلات العسكرية في نزاعات العالم، والتي غالباً ما تنتهي بالتزاماتٍ أكبر وأطول مدىً. والأرجح أن ينتهي الرئيس أوباما الذي جعل همّه الرئيس في الفترة الماضية هو الانسحاب من مناطق النزاع التي تورّطت بها الولايات المتحدة خلال عهد سلفه جورج بوش، خصوصاً في العراق وأفغانستان، أن ينتهي متورطاً في ثلاثة نزاعات في الشرق الأوسط، بدلاً من إثنين، أراد إنهاءهما قبل الخروج من البيت الأبيض، والدخول في غياهب النسيان.