وليد الشيخ وإسماعيل الإسكندراني وعاطف بطرس

خليل العناني

للمرة الثانية في أقل من أسبوع، توقف السلطات المصرية في مطار القاهرة أحد المواطنين العائدين إلى الوطن، وذلك مثلما حدث مع أستاذ الأدب المقارن، الدكتور عاطف بطرس العطار، وذلك بعد أيام فقط من توقيف الصحفي والناشط وليد الشيخ. ما يجمع عاطف ووليد الكثير، سواء كونهما من المؤمنين، بحق، بثورة يناير وأهدافها النبيلة، وسعيهما الدؤوب إلى ترجمة هذه الأهداف على الأرض، بعيداً عن الشعارات الزاعقة.

ولذلك، أسسوا جمعية “ميادين التحرير” في ألمانيا، بهدف دعم مطالب الثورة في مصر، بيد أن اللافت أن كليهما تم توقيفه بعدما قيل إن ذلك جاء بناء على مذكرةٍ، أرسلتها السفارة المصرية في برلين إلى السلطات في مصر. وهو الأمر نفسه الذي تردد أنه حدث مع الصحفي والباحث، إسماعيل الإسكندراني، الذي تم اعتقاله من مطار الغردقة أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بعد زيارة قصيرة له لألمانيا، شارك فيها في ورشة عمل ناقشت الأوضاع في المنطقة العربية، وخصوصا مصر.
تقوم السفارة المصرية في برلين، إذاً، بدور “المخبر” الذي يقوم بالإبلاغ عن الباحثين والصحفيين والناشطين المصريين، والإيقاع بهم، بعد مشاركتهم في فعاليات بحثيةٍ أو ثقافية في ألمانيا. ما يدفع إلى التساؤل عن طبيعة الدور الذي تقوم به البعثات الدبلوماسية المصرية في الخارج، والذي يتجاوز حدود النشاط الدبلوماسي الروتيني إلى التورّط في أنشطة لا تليق بها ولا بسمعتها. والأمر هنا لا يقتصر على السفارة المصرية في برلين، وإنما يكاد يكون تقليداً متبعاً في معظم السفارات، خصوصاً في العواصم الغربية المؤثرة، مثل واشنطن ولندن وباريس وغيرها. وهو تقليد كان قد ابتدعته الدولة الناصرية في الخمسينيات، حين حولت أقساماً كاملة في السفارات المصرية إلى وحدات للتجسس على المواطنين المصريين في الخارج، ورصد أنشطتهم، مثلما كانت تفعل أنظمة شمولية عربية عديدة في ذلك الوقت. بيد أن الأمر استمر، في الحالة المصرية، حتي وقتنا هذا. ويعرف باحثون وسياسيون مصريون كثيرون أنهم مراقبون باستمرار، كلما ذهبوا للحديث في مؤتمراتٍ أو ندوات خارجية، والتي يحضرها في الغالب موظفون دبلوماسيون من الدرجات الوظيفية الأولية (سكرتير ثالث أو ثان أو أول) من أجل كتابة تقريرٍ عن الحدث، وتسليمه إلى رؤسائهم الذين يقوم بعضهم بإرسال نسخة منه إلى السلطات في مصر. وفي بعض الأحيان، يكون هذا إجراء روتينيا، لكنه يتحوّل مع بعضهم إلى أداةٍ لتملق السلطة، والتزلف لها، من أجل تحقيق مكاسب مهنية بحتة. وهنا، تبرز مسألة السفارة المصرية في برلين، والتي يقودها أحد الدبلوماسيين المعروفين بتاريخهم الطويل في العمل لصالح أجهزة الأمن المصرية، منذ كان طالباً في جامعة القاهرة قبل حوالي ثلاثة عقود، وذلك حسبما يشير بعض زملائه، والتي لولاها لما دخل الوزارة، ولما أصبح من المقربين والمرضي عنهم لدى هذه الأجهزة.

“تقوم السفارة المصرية في برلين بدور “المخبر” الذي يقوم بالإبلاغ عن الباحثين والصحفيين والناشطين المصريين، والإيقاع بهم، بعد مشاركتهم في فعاليات بحثيةٍ أو ثقافية في ألمانيا”

ومن يتابع رحلة صعود هذا الرجل داخل الوزارة سوف يكتشف جوانب كثيرة مثيرة ولافتة للانتباه. فقد خدم الرجل، في أثناء هذه الرحلة، في عدد من أهم السفارات المصرية في الخارج، مثل واشنطن وبروكسل وطوكيو، كما خدم في السفارة المصرية في تل أبيب. وتحتل هذه السفارات المرتبة الأولى في ترتيب السفارات، حسب التقاليد في وزارة الخارجية، والتي لا يذهب إليها إلا أهل الثقة والمحسوبية والمرضي عنهم، بيد أن اللافت أن يصبح الرجل سفيراً في دولة مهمة، مثل ألمانيا، خلال مرحلة قصيرة من خدمته في وزارة الخارجية. فعادةً، ما يصل الدبلوماسي إلى منصب السفير، خصوصاً في البلدان المهمة، في فترة طويلة، وقبل نهاية فترته في الخدمة، ما لم تكن هناك أجهزة أو شخصيات نافذة في الدولة تضغط من أجل أن يتم تصعيد هذا الشخص أو ذاك. ولعل هذا أيضاً ما أثار غضب بعض الدبلوماسيين العاملين في الوزارة وحنقهم، بسبب الصعود الصاروخي للرجل، على الرغم من إمكاناته المتواضعة، والذين يخشون التعبير عن ذلك، خوفاً من تهميشهم وإقصائهم أو اتهامهم بالأخونة، على نحو ما حدث مع كثيرين منهم تم التخلص منهم بطرق مختلفة، بعد عزل الرئيس محمد مرسي.
وحسب بعض المصادر، تعززت علاقة هذا الرجل بالأجهزة السيادية بشكل كبير في أثناء خدمته في السفارة المصرية في واشنطن، كونه كان المسؤول عن متابعة ملف العلاقة مع الكونغرس والمساعدات الأميركية لمصر. وبذلك، نجح في كسب ثقة رجال الجيش والمخابرات الذين كانوا يعملون في السفارة، أو الذين كانوا يأتون لزيارتها، وهو ما جعله مصدر ثقة كبيرة لهم. لذا، لم يكن غريباً أن يتم تعيينه متحدثاً باسم الوزارة، قبل أيام قليلة من انقلاب 3 يوليو، كي يبرز اسمه بعدها بشكل كبير في دفاعه المستميت عن حكم العسكر، ومهاجمته كل من يعترض عليه، وهو ما بدا من خلال لهجته وتصريحاته الفجة والمبتذلة في الإعلام المصري، والتي خرجت عن أصول اللياقة الاجتماعية والتقاليد الدبلوماسية الرصينة. ويشير بعضهم، أيضاً، إلى أن الرجل أصبح بمثابة “عبده مشتاق”، ويقدّم خدماته للأجهزة السيادية، طمعاً في الوصول إلى كرسي الوزارة. وهنا، يمكن تفسير نشاطه الملحوظ في “التبليغ” عن الناشطين والباحثين المصريين، والعمل على الإيقاع بهم، وتوقيفهم في المطارات المصرية المختلفة. وبهذا المعنى، لا يعمل هذا الرجل لدى الدولة، ولا يمثل مصالح مواطنيها، كما هو المتوقع من أي موظف عام، بقدر ما يعمل لدى بعض أجهزة الحكم، وبحيث أصبح “رجُلُهم الذي في السفارة” الذي يدافع عن مصالحهم ويسهر على حمايتها.
ليست حالة هذا الرجل استثناءً، فهناك “مخبرون” كثيرون يعلمون لصالح الأجهزة الأمنية والاستخباراتية داخل مؤسسات الدولة، وبدرجات وظيفية مختلفة. هدفهم الرئيسي ليس فقط الوشاية بآخرين، والإيقاع بهم من أجل نيل رضا هذه الأجهزة، وإنما أيضاً الرغبة في الصعود والترقّي الاجتماعي، حتي ولو على حساب زملائهم وأصدقائهم وأحياناً أقاربهم. وهو سلوك يمثل جزءاً أصيلاً من “دولة الوشاية” التي تحدثت عنها الباحثة والفيلسوفة الألمانية، حنا أرندت، في كتابها الشهير “جذور الشمولية”.