هل تحافظ منظومة الاتحاد الأوروبي على وحدتها (Getty)

أحمد فرحات

بعد انفراط عقد الاتحاد السوفييتي في 26 ديسمبر/كانون أول1991، والتغييرات التي طرأت على أنظمة الحكم في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية العشرة (بلغاريا، أستونيا، ليتوانيا، لاتفيا، سلوفينيا، بولندة، المجر، تشيكيا، رومانيا، سلوفاكيا)، يمّم الرؤساء الجدد لتلك البلدان شطرهم نحو الالتحاق بالاتحاد الأوروبي وعاصمته الإدارية: بروكسل. لم يبدُ لهم هذا الاتحاد وقتها رمزاً للتقدم الاقتصادي وعنواناً للحداثة الغربية الخلّبية فقط، بل بدا الوسيلة العملية الأقرب إلى تحقيق ذلك. وفي التسعينيات من القرن الفائت، بدا الدخول إلى نادي دول الاتحاد الأوروبي بمثابة النتيجة الطبيعية للتحوّل الديمقراطي والمرحلة الانتقالية؛ وكانت آفاق الحماية والاستقرار الاجتماعي التي يقدمها هذا الاتحاد مغريةً لمجتمعات ما بعد المرحلة الاشتراكية التي ضجرت من أنظمتها السابقة.


شجع الإعلام الغربي، ومعه النخب الجديدة في تلك البلدان، المواطنين على ابتلاع مرارة انحدار المستوى المعيشي نتيجة الركود الناتج عن حالات التحوّل، في مقابل حرية متزايدة ووعد بمستقبل زاهٍ، بيد أن مشاعر القلق، في المقابل، كانت حقيقية وجدّية، نظراً لأن الإنتاج الوطني في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية انحدر بنسبة 30% إلى 40% بداية التسعينيات. وكانت بولندا البلد الأول، منذ 1997، الذي يستعيد الناتج المحلي الإجمالي الذي كان لها قبل 1999، أما الآخرون فلم يتمكنوا من بلوغه إلا في العام 2000، وحتى بعده.
وفي أفق الخطاب السياسي العام  لبلدان أوروبا الوسطى والشرقية بين العامين 1989 و2004، وهو عام توسّع الاتحاد الأوروبي، كان الأخير يُقدّم نفسه على أنه “ضمانة التحديث” والممر الإجباري لحياة الرفاه أو”السوبر لايف ستايل”. ومن 1994 وحتى 1996، قدّمت ثمانية بلدان ترشّحها لعضوية الاتحاد الأوروبي. لم تكن آليّة الإنتاج لدى غالبية من كان ينتظر، بصبر كبير، أمام “بوابة نادي الاتحاد الأوروبي” موضوع نقاش، إذ المسيطر لديها كان التطابق مع المدوّنة القانونية للاتحاد. وفي نهاية المطاف، كانت الآلية تدرجيّة بطيئة، وامتدت حوالي عقد ؛ وفي أغلب الحالات، اندمجت هذه الدول بالكامل على المستوى التجاري، حتى قبل أن تصبح أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

“الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين شقي بلاد أوروبا ظلت كبيرة جداً في غياب نوع من “مشروع مارشال” يؤمّن نمواً سريعاً لمواطني المناطق الشرقية والوسطى يسمح لهم بالالتقاء مع مواطني دول غرب القارة الغنية في اتحاد معافى”


في غياب ما يشبه “خطة مارشال”

على الرغم مما سبق، كانت الفوارق الاجتماعية والاقتصادية كبيرة جداً، في غياب نوع من “خطة مارشال” لتأمين نمو اقتصادي سريع في المنطقة، يسمح لها بالالتقاء مع الغرب. ولم يكن معدل نصيب الفرد من الناتج المحلي على الإجمالي لعشر دول من أوروبا الوسطى والشرقية، يمثل سوى 14% إلى 15% من نظيره في الاتحاد الأوروبي في العام 2000، وكان هذا الفرق أكبر في حقبة التسعينيات.
وعلى الرغم من ذبول الحماسة، بعد هذه المدة الطويلة من الانتظار، لم تطرح على بساط البحث ضرورة دخول بلدان أوروبا الشرقية والوسطى إلى الاتحاد الأوروبي، نظراً إلى تكلفة الرفض العائدة عليها، فقد كان قادتها لا يعدمون وسيلةً يؤكدون فيها المكاسب الهائلة المتأتية عن الاندماج الأوروبي.
فمن ناحية، بدا الاتحاد الأوروبي كما لو أنه يقدم مساعدات كبيرةً إلى أعضائه الجدد أكبر بكثير من التي منحت في الفترة التي سبقت الدخول. ومن ناحية أخرى، استجاب الاتحاد لفكرة “التماسك الحضاري”، مفترضاً أن هذه البلدان ينبغي أن تكون جزءاً من الغرب. وأجمعت النخب الاقتصادية والسياسية، في غالبية تلك الدول، على اعتبار أن الاندماج المبكّر هو الأفضل. وحدث “انفجار بيغ بانغ” الكبير، خلال عملية التوسيع في 2004، مع دخول ثماني دول من أوروبا الشرقية والوسطى، بالإضافة إلى قبرص ومالطا، في أجواء من التفاؤل الأوروبي المعتدل. وبحسب استطلاعات الرأي التي أجرتها “أوروبارومتر”، اعتبرت غالبية مواطني الدول الأعضاء الجديدة أن الاتحاد الأوروبي “أمر طيب”.
أما في البلدان التي نظمت استفتاء حول الدخول، فجاءت النتيجة إيجابيةً بأغلبية ساحقة، على الرغم من أن نسبة المشاركة كانت أحياناً منخفضة بعض الشيء.
يستنثى بشكل ملحوظ من هذا التفاؤل الأوروبي، جمهورية التشيك، برئاسة فاكلاف كلوس، الذي تصدّر المشهد السياسي التشيكي في 1992، حين أصبح رئيساً لوزراء البلد، وظلّ محتفظاً بهذا المنصب حتى 1997. ثم ارتقى بعدها إلى منصب الرئاسة في 1993. وعلى عكس سابقه، فاكلاف هافل، الذي ترأس البلاد من 1993 وحتى 2003، أظهر كلوس، وباستمرار، موقفاً متشكّكاً بخصوص الاتحاد الأوروبي والأفكار المسيطرة في الغرب.
من “خصخصة الكوبونات” التي جرى تنظيمها في التسعينيات، مع توزيع بطاقات على المواطنين، يمكنهم استخدامها ليصبحوا شركاء في مؤسسات عامة؛ وكان من آثارها استبعاد الاستثمارات الخارجية، إلى معارضة التدخل في العراق في العام 2003، بدا فاكلاف كلوس مهووساً باستمرار بفكرة السيادة الوطنية، ورافضاً دخول “الأنوار” الغربية إلى بلاده. في الوقت نفسه، رفض النزعات الوطنية المتطرفة؛ لذا لا يمكن مقارنته بالسياسيين المعادين للاتحاد الأوروبي، والذين يتّبعون نهجاً وطنياً – شعبوياً في المنطقة.
باختصار، إذا كان فاكلاف كلوس، لم يشأ أن يحول دون دخول بلاده إلى الاتحاد الأوروبي في العام 2004، إلا أنه لم يفرح لانتمائها إليه، وظلّت ريبته قائمة على طول الخط.

خيبة أمل مرّة
هكذا، وفي غضون بضع سنوات، تحوّل التفاؤل الأوروبي الذي كان يميز المنطقة في العام 2004 إلى خيبة أمل مرّة في بعض البلدان. يمكن تعليل ذلك التحوّل بأسباب اقتصاديةٍ وسياسيةٍ داخليةٍ لم تؤثر على كل الدول الأعضاء الجدد بالطريقة نفسها. فالمجر وبولندا، مثلاً، تبنّتا مواقف مختلفة تماماً إزاء الاتحاد الأوروبي بين العامين 2004 و2008، إلى حين اجتاحت آثار الأزمتين الاقتصادية والمالية العالميتين المنطقة بأسرها.
بحسب استطلاع أجرته “أوروبارومتر”، في خريف 2004، أي بُعيد عملية التوسّع في الأول من مايو/أيار 2004، بلغت نسبة الآراء التي تعتبر الاتحاد الأوروبي “شأناً جيداً” في مجمل الدول الأعضاء الخمس والعشرين (صاروا اليوم 28 بلداً عضواً)، ما معدله 56%. جاء على رأس القائمة اللوكسمبورغ (85%) وإيرلندا، بلد “العجائب الاقتصادية” آنذاك (75%). أما كل المنضمين الجدد، فيما عدا سلوفاكيا وليتوانيا، فقد كانوا يقفون دون المعدل الأوروبي. ولم يختلف الحكم الذي صدر في ذلك الحين في بولندا والمجر حول الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي عمّا صار عليه في ما بعد (من 50% إلى 49%). وليس من دواعي الدهشة أن تظهر المملكة المتحدة النسبة الأقل من الحماسة (38%)، في حين أن اللافت كان ليتوانيا التي كشفت عن تشاؤم شديد هي أيضاً (40%).
بعد مرور سنة، كان في المستطاع ملاحظة تغييرات مهمة، حيث أن دعم البولنديين الاتحاد الأوروبي ارتفع ليبلغ 54%، في حين أن دعم المجريين، انخفض ليستقر على 39%، بينما معدل نسبة الآراء المساندة للاتحاد الأوروبي بـأعضائه الخمسة والعشرين قاربت الـ50%.
لكن، بين عامي 2005 و2008، حدث تطور أساسي، يتسم بعملية استقطاب شديدة. ففي حين أن التقييم الإيجابي الذي أبداه عموماً مواطنو مختلف الدول الأعضاء إزاء الاتحاد الأوروبي لم يختلف إلا قليلاً، مسجلاً ارتفاعاً من 50 إلى 53 %، فإن النسبة المائوية ارتفعت في بولندا لتبلغ 64%، مقابل سقوطها في المجر، وصل إلى 31%. وهكذا، أصبحت بولندا البلد الثاني الأكثر تفاؤلاً في أوروبا بعد رومانيا، في “مجموعة العشرة” أعضاء جدد في 2004، والسادسة في الاتحاد الأوروبي المؤلف من 28 عضواً؛ علماً أن رومانيا وبلغاريا انضمتا إلى الاتحاد في العام 2007. أما المجريون فقد برزوا في الموقف الأكثر تشاؤماً أوروبياً بعد الليتوانيين، وأكثر تشكّكاً بقليل من البريطانيين أنفسهم. وفي العامين 2008 و2009، كان الاتحاد الأوروبي أقل شعبيةً من أي وقت مضى في المجر بعينها.

“شجّع الإعلام الغربي، ومعه النخب الجديدة في بلدان شرق أوروبا ووسطها، المواطنين على ابتلاع مرارة انحدار المستوى المعيشي، كنتيجة للركود الناتج عن حالات التحوّل، في مقابل حرية متزايدة ووعد بمستقبل زاهٍ”

بعد مرحلة “ليمان براذر”
اجتاحت الأزمة العالمية بقوة بلدان أوروبا الشرقية والوسطى في العام 2008، وأعادت رسم موقف هذه البلدان ضمن الاتحاد الأوروبي، حيث أصيبت جميعها بحالة ضعفٍ بعد انهيار المصرف الأميركي الشهير “ليمان براذرز”. وفي الإجمال، بدت أوروبا الشرقية والوسطى ضعيفة أمام الأزمة. ولكن، بدرجات متفاوتة للغاية. وكانت بولندا البلد الوحيد الذي أصبح الناتج المحلي الإجمالي فيه سلبياً على نحو طفيف. أما دول البلطيق، في المقابل، فقد انكمش اقتصادها أكثر من 10% في العام 2009. وفي سبتمبر من العام نفسه، عزا محللون، ومن بينهم كبير المفكرين، بروغل، وقاعدته بروكسل، مسؤولية ضعف الدول الأعضاء الجدد أمام الأزمة العالمية إلى الاتحاد الأوروبي. واعتبر المحللون أن غالبية دول شرق أوروبا ووسطها كانت قد ظنت أن تزايد دخلها الوطني السريع سيستمر إلى ما لا نهاية، ما دفعها إلى الاستدانة على مداخيلها المستقبلية، وكانت النتيجة ديناً عاماً مرتفعاً جداً، غذّاه السباق نحو الاستهلاك. وكان سيتعين على هذه البلدان، في النهاية، أن تتخذ إجراءاتٍ لتصحيح آثار السياسات الضرائبية المتهورة (خصوصاً في المجر)، أو عجوزات الحسابات المقلقة في دول البلطيق ورومانيا وبلغاريا، فالأزمة لم يكن من شأنها سوى إنها سرّعت هذه العملية.
على أن أوروبا الغربية، ومن جانب آخر، سارعت، إزاء هذا الواقع المقلق، فأعلنت عن تضامنها مع دول أوروبا الشرقية والوسطى، عملاً “بقيمها الليبرالية المعهودة”، ولكن بالأخص بدافع مصالحها الخاصة، إذ تملك شركات ومصارف أوروبية غربية كثيرة فروعاً لها في تلك البلدان، وستكون لأزماتها فيها ارتدادات مباشرة على الدول الأعضاء “القديمة”. ومن هنا، كان تحرّك الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، حيث منحا قروضاً مسهّلة على المدى المتوسط إلى دول أوروبا الوسطى العديدة، كالمجر وليتوانيا ورومانيا. وبفضل هذه الإجراءات، كما بفضل عوامل عدّة أخرى، تمّ تجنّب الكارثة الاقتصادية الرهيبة التي كانت تهدّد أوروبا الشرقية والوسطى في النهاية.
في 2001، كان واضحاً أن الاقتصادات المعتلّة في الاتحاد الأوروبي موجودة في مكان آخر غير أوروبا الشرقية والوسطى. فبلدان هذه المنطقة سلكت مجدداً طريق التنمية المعقلنة، وخفّضت من عجوزات موازناتها، أو من عجوزات حساباتها الجارية، كما تعافت ببطء، ولكن بشكل أكيد من الركود.
أما المشكلات الأكثر خطورة، من فقاعة الاستثمارات والماليات العامة غير المتوازنة؛ فقد ضربت في العامين 2010 و2011 أطراف منطقة اليورو، حيث وجدت دول نفسها على حافة الإفلاس، كاليونان تحديداً، ولكن معها إيرلندا والبرتغال وإسبانيا؛ فتركزت جهود الاتحاد الأوروبي على هذه البلدان، لأن عدم استقرارها المالي قد يشكّل خطراً على النقد المشترك، وحتى على الاتحاد بأكمله.

الشك في استمرار الاتحاد
إذا كان عدد لا بأس به من السياسيين والمفكرين الأوروبيين يشككون في استمرار الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في شق دوله المركزية الغربية القوية، مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، فما بالك في نظرائهم في الشق الأضعف من دول هذا الاتحاد في شرق القارة ووسطها؟. صحيح أن من خاب أملهم بجنّة الاتحاد الأوروبي من دول شرق القارة ووسطها، لا يحبّذون فرط عقد الاتحاد المذكور، ويأملون أن تزال كل العقبات السياسية والاقتصادية المستعصية من أمام هذه التجربة الاتحادية التي انطلقت مفاعيلها الجدية مؤسسة متكاملة على الأرض منذ 1993، وبموجب معاهدة ماستريخت.. لكن، يبقى أمل بقاء هذه التجربة بيد الأقوياء الذين أسهموا في ولادتها من دول غرب أوروبا، ولاسيما ألمانيا وفرنسا، لأن بريطانيا، وهي عضو “فاعل” في الاتحاد الأوروبي، حتى الآن، ما تني تهدد بالخروج منه، وتدعو بلسان ملِكتِها، إليزابيث الثانية، إلى استفتاء حول الخروج من الاتحاد قبل نهاية 1917، والتحضيرات القانونية لهذا الاستفتاء ستبدأ قريباً. نقرأ في خطاب ملكة بريطانيا أمام البرلمان البريطاني بتشكيلته الجديدة في 27 مايو/أيار 2015: “إن حكومتي ستجري مفاوضات حول إعادة النظر في علاقات المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، وستسعى إلى إصلاح هذا الاتحاد، لمصلحة جميع أعضائه”.
ويُراد من الإصلاح الذي يتحدث عنه البريطانيون تكريس نوعٍ من الهيمنة.. هيمنتهم على الاتحاد الأوروبي، ولاسيما في إطار سياسته الخارجية، وسحبها لتكون سياسة أحادية التوجه لمصلحة الولايات المتحدة. بينما حاجة الاتحاد الأوروبي، كما يراها الألمان خصوصاً، تتلخص في قيام ممارسة سياسة خارجية ضمن عالم متعدد الأقطاب، يأخذ بالحسبان مصالح الاتحاد الأوروبي قبل أي اعتبار آخر. ويضغط البريطانيون على الاتحاد، وأنظارهم شاخصة دوماً على ألمانيا بين دوله، حتى بأقل الأمور السياسية أهمية؛ فها هو ديفيد كاميرون يقول (صنداي تايمز) “مبدأ حرية الحركة والتنقل داخل الاتحاد الأوروبي سيكون في مركز استراتيجي لإعادة التفاوض مع الاتحاد لإصلاحه”.
وتردّ عليه المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بتحدٍ صارخ قائلة (دير شبيغل): “إن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أهون من التلاعب بمبدأ حرية الحركة والتنقل بين دول الاتحاد”. وعبرت ميركل عن قلقها من أن “موضوع استمرار بريطانيا في الاتحاد الأوروبي بات يقترب أكثر فأكثر من نقطة اللاعودة”.
هل ستنسحب بريطانيا فعلاً من الاتحاد الأوروبي؟ السؤال جدّي للغاية، بدليل أن الملكة البريطانية مصرّة على استفتاء البريطانيين حول هذا الموضوع الخطير والمفصلي؟ يجيب عن السؤال زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار في بريطانيا، نك كليغ، “إن الاقتصاد البريطاني يؤذي نفسه بقوة إذا انفصلت بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي.. وعليه، لا يجوز البتة أن نفصل بلدنا عن أكبر سوق في العالم”.