فاروق شريف (سورية)

قدرُ السوريين الذين ثاروا من أجل تغيير النظام أن ينتظروا تغيّر الأنظمة في دول العالم، أملاً في مجيء أنظمة جديدة تصدقُ في تضامنها مع قضيّتهم، ولربما صار إسقاط الأنظمة العالمية من أولويات ثورتهم، انطلاقاً من مبدأ أن إزالة الظلم لا تتم إلا بإزالة داعميه .


حاول السوريون مراراً التغاضي عن الحقيقة المرّة التي تكمن في نظرة الدول العظمی التاريخية والمتجددة لديانتهم وحضارتهم العربية، آملين أنّ عصر الحداثة وضع الصراع الديني والعرقي في أرشيف النسيان، تضامنوا مع الثورة الأوكرانية فقط لأنها ضد الظلم الروسي من منطلق إنساني، وتضامنوا مع حسن روحاني عندما استلم السلطة في إيران، لعلّه يأتي بفكرٍ إصلاحي يغيّر من سياسة إيران الطائفية في المنطقة. انطلقت ثورتهم في وقت كانت أميركا تقاد من أوباما الديمقراطي، أملوا أن تكون سياسته مغايرة لسياسة الأبيض الجمهوري في أثناء حرب العراق، وها هي الأيام الأخيرة من حكم أوباما توشكُ علی الانتهاء، تاركة ًالمجال مفتوحاً للتكهنات العربية، بخصوص السياسة الأميركية المقبلة تجاه العرب وقضاياهم، تكهنات تحمل في طيّاتها آمالاً ساذجة وحقيقةٌ ثابتةٌ في قرارة النفوس العربية في أنّ البيت الأبيض لا يغيّر من سياسته من اعتلی عرشه سواءً كان أبيض أم أسود.
ربما كان عهد بوش أقلّ ضرراً علی العرب من عهد أوباما، ففي عهده قُسّمَ العراق بين نفوذين لا أكثر، اقتصادي أميركي وطائفيٌّ شعوبيّ إيراني، من دون أنْ تكون للهمجية الروسيّة صولةٌ واضحةٌ في المنطقة، إلى حدّ اعتقد العرب فيه أنّ صواريخهم لم تتعد شواطئ البحر الأسود من جهة المنطقة العربية، وأكثر معقولية من هذا أنّ البيت الأبيض في عهد الجمهوريين كان ينظر إلى تركيا نظرة حليف مهم في منظومة الناتو، فراعی مصالحها، وخصوصاً بما يتعلّقُ بالمسألة الكردية .
جاء الديمقراطيون ممثلين بأوباما في ظروفٍ تعقّدت فيها القضايا الشرق أوسطية، بدءاً من القضية الفلسطينية إلى المشروع النووي الإيراني، ومن سوء حظ الديمقراطيين أن يحدث الربيع العربي في أثناء حكمهم، ليجعل شعاراتهم المنادية بالسلام محلّ اختبار علی أرض الواقع، فلم يسجّلْ التاريخ أسوأ من سياستهم تجاه الرييع العربي، من خلال التآمر الواضح علی الثورات، حيث كانوا ديمقراطيين بالفعل، ولكن باقتسام مناطق النفوذ مع الروس والإيرانيين، فحولوا عدو الأمس صديقاً اليوم وإرهابي الماضي مدافعاً عن الحرية .
انسحبت أميركا من العراق، بعد أن استفحل فيه الوجود الفارسي، وسورية انتقلت من عهد ثورة ضد الاستبداد إلی مرحلة ثورةٍ ضد احتلال عالمي، ممثل بإيران وروسيا وأميركا، والغريب الذي يدهش أصغر المسلمات السياسية أنّ اللطافة الأميركية مع روسيا وإيران العدوتين ظاهريّاً لم تقابل بها تركيا الحليفة، بل وكثيراً ما عوّقت أصغر مطلبٍ شرعيّ لها في المنطقة الآمنة وحماية أمنها القومي. وبالمنظور نفسه، تتعامل مع دول الخليج العربي في ظل التهديدات الإيرانية لها.
حريٌّ بأي عاقلٍ أن يفقد الأمل من تغير سياسة الولايات المتحدة، سواء حكمها الديمقراطيون أم الجمهوريون، ولم يعدْ أمام دول المنطقة إلا تشكيل حلف تكون فيه السعودية وتركيا وقطر رأس الحربة فيه، وإلا لن يتوقف هذا الانجراف الذي يكتسح المنطقة، حتی لا يبقی بلدٌ عربي أو مسلمٍ إلا وفيه راياتٌ غريبة في سمائه.