أحمد البهائي (مصر)

أعلن بنك باركليز أن دول الخليج تحتاج حوالي 170 مليار دولار من الاحتياجات التمويلية الخارجية في العامين، الجاري والمقبل، بافتراض استقرار أسعار الصرف، كما توقع أن تبلغ احتياجات تمويل المالية العامة 175 مليار دولار هذا العام، ستُؤمن من الودائع الحكومية والاقتراض، كذلك خفض بنك باركليز توقعاته، فيما يخص النمو الاقتصادي في الخليج إلى 2.5% في 2016، من 3.2% كان قد قدرها سابقا في ضوء تأثير تراجع السيولة المصرفية على الإقراض والتأثير السلبي لقوة الدولار، إضافة الى تراجع أسعار النفط.


تعيش منطقتنا العربية على الويلات السياسية والاقتصادية، فدول المنطقة كلها لم تسلم، حيث أسعار النفط تعيش أوقاتاً حرجة، فمسلسل هبوط الأسعار مازال مستمراً، حيت تراجعت إلى أكثر من 70%، ووصلت إلى ما دون 30 دولارا للبرميل، فالمحللون والمتابعون يرجعون سبب التراجع إلى المؤشرات الضعيفة، والمصاعب التي تواجة أكبر الإقتصاديات، بسبب بعض العوامل الجيوسياسية وزيادة مخزونات الإنتاج من النفط.
لكن، ما زاد الأمر خطورة، وخصوصاً على دول الخليج، ما قامت به أميركا، أخيراً، من إنهاء العمل ببرنامج شراء السندات (التيسير النقدي) لترتفع قيمة الدولار مقابلة بالعملات الأخرى، وما أتبعه من رفع سعر الفائدة الأميركية، ما انعكس بالسالب على أسعار النفط، ليعمق ويسرع من وتيرة الهبوط السعري للبرميل، ليصل إلى مستوياتٍ تهدد اقتصاديات دول منطقة الخليج، التي تقوم بنود ميزانيتها على العائد من الصادرات النفطية ومشتقاتها، وما نحشاه أن يستمر الهبوط ليتعدّى حاجز الأمان السعري ليصل إلى سعر التكلفة.
تعمل أميركا على ذلك، باستخدام أسلوب الجرعات، لا الصدمات، لترجع ما يحدث إلى العوامل الجيوسياسية والتغيرات الاقتصادية المنطقية، لتظهر أن لا دخل لها في الحدث، فهي تريد أن يكون العجز مستديماً في ميزانيات دول الخليج، وأن يصبح بند الفائض النقدي في ميزانيتها من الماضي. وبالتالي، استنفاذ ما لدى تلك الدول من احتياطيات نقدية لسد العجز وتمويل مصروفاتها الفوقية والتحتية، فلدى أميركا من الأوراق، لتحقيق هذا الغرص، ومنها شركات المضاربة على النفط، والضغط على السعودية، لضخ مزيد من ملايين البراميل، بحجة تعويض النقص المحتمل في الأسواق، وهناك النفط الصخري، فمن المتوقع أن ترفع أميركا إجمالي الإنتاج منه ليصل إلى مليوني برميل يوميا، واستخدامه بديلاً غير تقليدي.
مشكلة إيران النووية التي كانت تستخدم فزاعة وبعبعاً لابتزاز دول الخليج حُلت، وأصبح لا داعي لهذا الفائض النقدي والنمو الاقتصادي والاستثماري والخدمي الذي كان يطوع لرغبات أميركا بحجة إيجاد توازن في المنطقة. ما يحدث هو استكمال للمخطط الأميركي الكبير “الشرق الاوسط الجديد “، وحان الوقت للبدء في جزئه الثاني، وهو الإرهاب الاقتصادي، برفع العقوبات المفروضة عن إيران، لتعود إلى إنتاجها الطبيعي من النفط، لتصبح كل أدوات المخطط حاضرة، وتحت التنفيذ ليكتمل المخطط الكبير.
كلنا نعرف أن قرار ربط اقتصاديات دول الخليج بالاقتصاد الأميركي سياسي بالدرجة الأولى، وما يحدث في الواقع يثبت ويؤكد أن الارتباط بالاقتصاد الأميركي لم يعد أفضل الخيارات الاقتصادية، بل تستخدمه أميركا في تحقيق أهداف مخططها، وعلينا ألا ننسى ما حدث بالأمس القريب من تداعيات أزمة الدين الأميركي وخفض تصنيفها الإئتماني، وتأثيرها السالب على الاقتصاد الخليجي، فمعظم استثمارات الخليج مقومة بالدولار، والتبادلات التجارية والاحتياطيات المالية مرتبطة بالدولار، حيث انخفضت القوة الشرائية لعملات تلك الدول، وارتفع معدل التضخم بها، ومازالت آثارها ممتدة.
هناك قيمة عالية من الودائع الخليجية في بنوك الولايات المتحدة، فحجم استثمارات الخليج في السندات الأميركية كبيرة جدا، على الرغم من أن سندات الخزانة الأميركية صنفت أقل من سندات تصدرها دول، مثل ألمانيا وكندا وغيرهما، ولم تعد أكثر أمانا عن غيرها من السندات.
الآن، بدأت تظهر الأثار السلبية للطرق التي اتبعتها أميركا في علاج أزمة ديونها المالية، فدول الخليج تضرّرت من الأزمة ومن طرق علاجها، ما يستدعي الوقوف، وقراءة المؤشرات والبيانات والنتائج، لتتيقن أن الوقت حان للبدء في رسم سياسات اقتصادية جديدة، يمكن بها تنويع أصولها الخارجية، ومكونات احتياطياتها النقدية وإستثماراتها، وعدم تركيزها في إطار وفلك الاقتصاد الأميركي، سواء الدولارية أو سندات الخزانة، والبحث عن بدائل أخرى، وبسلة متنوعة، مثل ربط أسعار النفط والغاز بسلة موسعة من العملات، تشارك الدولار، حتى يمكن تقليل المخاطر والتقلبات السعرية والسوقية.
حان الوقت لدول الخليج للتحول من مرحلة “التعاون” إلى مرحلة “الاتحاد” الكامل والشامل، تحت عملة موحدة مرتبطة بسلة من العملات، تدعم اقتصاداتها ببناء هيكلية مالية عالمية، ترفع بها حظوظ القوة التفاوضية التجارية مع الكيانات الاقتصادية الأخرى، وتسهم في القضاء على مخاطر أسعار صرف العملات بها، وتجعلها أكثر مهابةً وثقلاً اقتصادياً ومالياً عالمياً بين بقية الاقتصادات المهمة، فالعملة الموحدة سوف تشكل كتلة اقتصادية قوية، تسهم في تحقيق التكامل الاقتصادي الذي يمكن من خلاله إمكانية إيجاد قرار سياسي موحد وقوي، في مواجهة مخطط كهذا، أو أي أزمة مفتعلة، أو فجوة اقتصادية مصطنعة، فكل المقومات التي تساعد على بناء وحدة كهذه متوفرة، مالية كانت أو بيئية أو بشرية أو قانونية.