سيكون من الصعب جدا أن تقنع امرأة خمسينية –مثلا- أن القط الأسود الذي يظهر أحيانا في حديقة منزلها ليس باعثا على التشاؤم والخوف، ذلك أنها صورة نمطية ترسخت في نفسها عبر السنين، جعلت ذاك القط لاعبا محوريا في تحديد مسارات العائلة الحياتية.

وتكمن خطورة الصور النمطية الجامدة في أنها تصبح معيارا لتحديد الخطأ من الصواب أحيانا، دون الاستناد لمنهج علمي ومنطقي، فيظهر سلوك المجتمع حينها مضطربا مترددا حتى حيال الواضحات من الأمور.

لقد اعتاد الناس على صورة الخائن الضعيف المهزوم، الذي تركه آمروه يواجه مصيره المحتوم من محاكماتٍ وعقوباتٍ وحيدا، ولم يعتادوا يوما عليه ببدلة أنيقة، وبلقب رفيع، وببعض بطاقات الـ (VIP).

وفي الحالة الفلسطينية ، شكل هذا الأمر حالة كبيرة من الاضطراب والتردد في التعامل مع قيادةٍ من هذا النوع ، أخرت مسيرة شعبنا النضالية وكفاحه المستمر للتخلص من الإحتلال.

بدأ القيادي الفتحاوي المعروف (أبو إياد – صلاح خلف) في أواخر سبعينيات القرن الماضي ، يستشعر مبكرا الخطر القادم والمتمثل في أنْ تكسر صورة العدو المحتل البغيض في نفوس القيادة الفلسطينية ، وأن يتحول ليصبح حملا وديعا وصديقا أليفا يمكن التعايش معه ، فذكر في كتابه (فلسطيني بلا هوية) قوله : "إن أخشى ما أخشاه ، أن تصبح الخيانة وجهة نظر!" ، وقد سبقه إلى ذلك القيادي في الجبهة الشعبية (غسان كنفاني) حينما قال : "يوما ما ، ستصبح الخيانة وجهة نظر" ، الأمر الذي حصل ما هو أسوأ منه ، فلم تصبح الخيانة اليوم مجرد وجهة نظرٍ من المحتمل تهميشها وإقصاؤها ، إنما أصبحت المشروع الأوحد للسلطة الفلسطينية والتي قامت بدورها بجر واحدةٍ من أكبر الحركات الفلسطينية إلى هذا المشروع للأسف الشديد.

خسر الشعب الفلسطيني كثيرا عندما سكت على قياداتٍ صافحت المحتل وجلستْ تتفاوض معه أمام الشاشات ، وشكل هذا الأمر ضربة مؤذية لصورة الفلسطيني صاحب الحق وصاحب الأرض ، التي يدافع عنها ضد من أتوا من أصقاع الكرة الأرضية محتلين ومغتصبين. إلا أنه ومع ذلك لم ينحو نحو تلك القيادة ، وقاوم كل محاولات التدجين والقولبة في قالب "الفلسطيني الجديد" الذي أراده الجنرال الأمريكي كيث دايتون ، وانتفاضة القدس الحالية خير دليلٍ على أننا أمام بونٍ شاسعٍ بين قيادةٍ مفرطةٍ مهزومة ، وشعب مقدامٍ طموح.

وإذا أردنا أن نأخذ استراحة من كم السلبية المذكور في السطور السابقة ، فحري بنا أن نذكر موقف فصائل المقاومة في العام 2011 إبان المفاوضات غير المباشرة مع الطرف "الإسرائيلي" حول صفقة الجندي الأسير (جلعاد شاليط) ، والتي قدمت نموذجا يحتذى حينما رفض وفدها المفاوض مجرد التوقيع على ورقة الصفقة التي يوقع عليها الطرف "الإسرائيلي" ، وتم التوقيع يومها على أوراقٍ منفصلةٍ مع الوسطاء.

عوْدا لما قد سبق ، عندما يصرح رئيس مخابرات السلطة في الضفة (ماجد فرج) عن إحباط الأجهزة الأمنية لأكثر من200 عملية واعتقال 100 شاب كانوا يعدون لعمليات أخرى، لن ينفعنا مجرد الاستغراق في شتمه، ونعت شخصه بخيانة دماء الشهداء، وعندما يصرح رئيسه عباس عن أنه هو من أعطاه تلك الأوامر، سيكون مضيعة للوقت مجرد استنكار ذاك الموقف، -عباس يشْتم منذ عشرات السنين ولم يغير ذلك من موقفه شيئا!- ، ولن ينفعنا دوما تفريغ شحنات الغضب في أي مسؤول من السلطة يخرج بتصريح ناشزٍ عن السياق الوطني.

ما ينفعنا حقا هو الإدراك التام أننا أمام مؤسسةٍ وسلطة تحمل مشروعا عريضا لها، يتمثل في أحسن الأحوال بالتعايش مع واقع المحتل وإقامة دولةٍ على 22% من أرض فلسطين التاريخية ، منزوعة السلاح والسيادة على الحدود ، وبنصف عاصمة ، وبمبدأ تبادل الأراضي والحفاظ على الكتل الإستيطانية الكبيرة في الضفة ، وهي (أي السلطة) تسعى جاهدة لتنفيذ هذا المشروع ، بكل تفانٍ وإخلاص ، وبدون أي خروج عن هذا السياق في يومٍ من الأيام. فهل يقبل الشعب الفلسطيني بهكذا خاتمة لنضاله المستمر منذ عقود؟ وما هو الثمن الذي سيدفعه مقابل استمرار هذه الممارسات وتصاعدها حينا بعد آخر؟

وهل تبقى هنالك أي إطار فتحاوي يمكن أن نوجه له سؤال : "لماذا سمحتم لفتح بأطرها وقاعدتها الشعبية أن تنجر وراء دولار السلطة نحو هذا المسار السياسي؟".

يقول الصحافي "الإسرائيلي" اليساري جدعون ليفي أنه سأل ذات مرةٍ رئيس الوزراء "الإسرائيلي" الأسبق (إيهود باراك) : ماذا ستفعل لو كنت فلسطينيا؟ " ويقول أنه أجابني تلك الإجابة الصادقة : " سأنضم لواحدة من المنظمات الإرهابية –يقصد فصائل المقاومة- ، ليس هنالك بديل آخر! " ، والحقيقة أن الفلسطينيين مدركون لطبيعة الصراع ، و "الإسرائيليون" كذلك ، والسلطة تقف حائلا ساذجا في المنتصف.

أثناء كتابة هذه السطور ، قام ضابط في الحراسات الخاصة التابعة للسلطة ، يدعى (أمجد سكري) بعملية إطلاق نارٍ عند حاجز بيت إيل قرب رام الله ، فأصاب 3 جنودٍ صهاينة ، وصفت جراح 2 منهم بالخطيرة ، وارتقى شهيدا.