لسنوات طويلة عملت فيها كمحرر لصفحة لغة العصر بالأهرام منذ أن أصدرتها 26 أغسطس 1996 وحتى الأول من إبريل 2012، وكرئيس لتحرير مجلة لغة العصر منذ أن أسستها بالأهرام فى يناير 2001 وحتى أغسطس 2013، طوال هذه السنوات تمنيت كصحفى وكاتب وباحث ومواطن مصرى، لو شارك الدكتور نبيل على ـ المفكر الكبير وخبير المعلوماتية البارز فى الصفحة والمجلة بفكره المعلوماتى المتعمق والمتكامل، لكننى عرفت ـ حتى قبل أن أقابله لأول مرة ـ أنه غالبا ما يرفض بحسم وبأدب الظهور فى أى وسيلة إعلامية، فاحترمت فيه هذه الرغبة النادرة التى تظهر فقط لدى الكبار من العلماء.

حينما تقرأ لنبيل على، تجد بين سطوره نكهة الكتابة والبحث لدى الراحل العظيم جمال حمدان، عالم الجغرافيا المتفرد، فقد عشق جمال حمدان الجغرافيا وعاشها وفهمها بكل جوارحه وعقله وفلسف الظواهر الجغرافية وقدمها فى كتابات غاية فى أصالتها وتفردها وشمولها ورؤيتها الكلية وإدراكها للتفاصيل والتفاعلات البينية بين عناصر الجغرافيا الجامدة، حتى استطاعت هذه الكتابات إنطاق الجبال والسهول والتضاريس الجامدة على الورق واستخلصت منها عبقرية المكان.

الشىء نفسه حدث بين الدكتور نبيل على والمعلوماتية وعلومها، فقد عشق نبيل على المعلوماتية ودرسها بعمق وفهمها بشمول وعاشها بكل جوارحه، ثم قدمها فى كتبه وأبحاثه بشكل يندر أن نجده لدى الآخرين، وبدأت هذه العلاقة (الحمدانية) الحميمة بين نبيل على والمعلوماتية منذ أن كان ضابطا بالقوات الجوية ثم إشرافه على إدخال الحاسب الآلى بمصر للطيران بما فى ذلك نظام الحجز الآلى ثم إدارته للشبكة القومية للمعلومات لأكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا، وابتكاره فكرة كمبيوتر صخر والعالمية للبرامج ومدير مشروع إطلاقة، ثم جهده الأكاديمى والبحثى لسنوات، ودوره فى تعريب نظم المعلومات ومعالجة اللغة العربية آليا والذى جعله من ابرز الخبراء إقليميا وعالميا فى هذا المجال، ثم تأليفه لكتابين يعدان من أهم الكتب بالمكتبة العربية فى مجال المعلوماتية وهما العرب وعصر المعلومات عام 1994 والثقافة العربية وعصر المعلومات عام 2001 اللذان يكشفان عن أن صاحبهما صاحب رؤية استراتيجية عميقة شاملة لتنمية الوطن العربى معلوماتيا، وكتاب الفجوة الرقمية: رؤية عربية لمجتمع المعرفة الذى أعده بالمشاركة مع الدكتورة نادية حجازى، وغيرها من الكتب الاخرى المهمة.

***

كان نبيل على فى حد ذاته مؤسسة فكرية بحثية، ومركز تفكير من طراز رفيع، وانتهى به المطاف كمفكر يفلسف المعلوماتية ويقدمها على الورق بشكل متفرد وغير مسبوق، فالمعلوماتية لديه مغزولة بمهارة واقتدار مع طين أرضنا وأحلام شعوبنا وتراثها وفكرها السابق والآنى وتحديات مستقبلها، وممزوجة كلية فى الواقع الاجتماعى الثقافى الذى يرفعه نبيل على إلى مستوى العامل الحاكم والمؤثر فى حركة جميع الانشطة المعلوماتية السابقة والحالية واللاحقة بالمجتمع، عكس غالبية الباحثين والمخططين والمسئولين الذين يتعاملون مع الكيانات المختلفة داخل المجتمع بمعزل عن إطارها الاجتماعى الثقافى ويقدمون المعلوماتية باعتبارها أداة يمكنها نقل هذه الكيانات من وضع لآخر بطريقة شحن وتحريك الصناديق.

كنت تلميذا لنبيل على قبل أن أقابله، من خلال كتبه وأبحاثه وإنجازاته ودراساته، وحينما عرفته عن قرب بعدما جمعتنا الظروف للسفر سويا اكثر من مرة فى مهام خارج البلاد، وجدته إنسانا من طراز رفيع ونادر، مبدع حتى النخاع، متفائل مقاتل بلا كلل، شاب العقل متدفق الافكار محلق الرؤى، مستشرف للمستقبل.

ومنذ عام 2005 تقريبا أصبحت ضمن فريقه البحثى، وجزء من مركزه الفكرى، وضع أمامى معلومات وتجارب تمثل عصارة جهده وتجاربه وعلاقاته، ومع ذلك لم أشأ أن اطلب منه حوارا صحفيا انفرد به، أو مشاركة بالصفحة أو بمجلة لغة العصر احتراما لرغبته، وذلك على الرغم من كونه فى رأيى أفضل من يكتب ويناقش ويحلل قضايا المعلوماتية بعمق وموضوعية وعلمية وشمول وفق رؤية استراتيجية نبحث عنها منذ سنوات لدى الكثيرين فلا نجدها.. وداعا أستاذى الجليل نبيل على.