لا خير فينا إذا فوتنا الذكرى الخامسة لثورة يناير دون أن نطالع وجوهنا فى مرآة الواقع لكى نجدد مسيرة الثورة ونعالج أسباب انتكاسها.

(١)
ما الذى حدث خلال السنوات الخمس، بحيث كانت الشعارات المرفوعة فى عام ٢٠١١ تطالب بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، ثم صارت أصوات النشطاء تنادى فى عام ٢٠١٦ بوقف الاختفاء القسرى وإدخال البطاطين والأدوية إلى سجن العقرب؟ ــ هذا السؤال ألقيته يوم السبت الماضى (٣٠/١) ووعدت بمحاولة الإجابة عليه. وحين قلَّبت الأمر وجدت أننا لا ينبغى أن نتعجل فى إصدار الأحكام لأن تفاعلات الثورة لاتزال مستمرة بصور مختلفة، ومن ثم يفرض علينا الإنصاف أن نتحدث عن تجربة السنوات الخمس التى مرت من عمر الثورة باعتبارها أولى حلقاتها وليس كل عمرها. أدركت أيضا أن ثمة مفاتيح ربما سبقت الإشارة إلى بعضها، ومع ذلك يظل استحضارها مهما لكى نتفهم ما جرى ونضعه فى إطاره الصحيح، من تلك المفاتيح ما يلى:

< إن الثورة بمعنى إحداث تغيير فى النظام والمفاهيم والمشروع وجهاز الإدارة عمل كبير يتطلب وقتا طويلا وعملا دءوبا. وهى تختلف عن الانقلاب الذى عادة ما يكتفى بتغيير السلطة بحيث يبقى ما عدا ذلك على حاله (فى اللغة الفارسية تعد الثورة انقلابا فى كل الأحوال). من هذه الزاوية تعد السنوات الخمس مرحلة تمهيدية وإعدادية. والتقييم فى هذه الحالة حين ينصب على الشوط الذى قطعته الثورة فينبغى ألا يستقبل بحسبانه حكما لصالح الثورة أو ضدها.

< على مدى التاريخ فإن الثورات الحقيقية استغرقت عقودا (الثورة الفرنسية لم يستقم لها الأمر إلا بعد ٨٠ عاما)، حتى صار طول الأجل من سماتها وأعرافها. الأهم من ذلك أنه ما من ثورة وقعت إلا وتعرضت للانتكاس، وحين حدث ذلك فإن عناصر الثورة المضادة عادت إلى سابق عهدها بصورة أكثر عنفا وشراسة، لأن أداءها كان مشوبا بالرغبة فى الانتقام واستئصال قوى الثورة التى أزاحتها.

< إن الثورة كانت بمثابة انفجار لبركان الغضب المتراكم فى الأعماق العربية والمصرية منذ عقود. وذلك الانفجار أطلق الأشواق المحبوسة التى تعلقت بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. الأمر الذى يعنى أنها كانت إشهارا لثورة الإنسان العربى ضد الظلم السياسى والاجتماعى معا، وقد أثبتت تجربة تونس من خلال الانتفاضة الأخيرة أن زوال الظلم السياسى لا يشبع طموح الجماهير التى لم تتخل عن رفضها للظلم الاجتماعى.

< حين هبت رياح الثورة فإن أصداءها ترددت فى عموم الوجدان العربى، وكان تغيير بعض الأنظمة بمثابة الجزء الظاهر منها، فى حين أن التغيير الأكبر كان من نصيب حراك المجتمعات وتطلعاتها وأصواتها التى ارتفعت وما عاد ممكنا إسكاتها خصوصا بعدما وجدت فى الفضاء الإلكترونى متنفسا لها. ولأنها كانت ثورة أمة وليست ثورة قطر بذاته، فإن عناصر الثورة المضادة فى العالم العربى استجمعت قواها واحتشدت لقمعها، فحققت نجاحات فى بعض المواقع وأخفقت فى مواقع أخرى.
< إن المؤامرة كان لها دورها ووجودها حقا، لكن ذلك لم يكن له علاقة بإطلاق الثورة، وإنما برز الدور بوضوح فى محاولات إفشالها أو إجهاضها. وهى المحاولات التى أسهمت فيها الأطراف الإقليمية بدور فعال لايزال مستمرا حتى الآن.

< ليس صحيحا أن الثورة أتت بالإرهاب الذى خطف الأضواء منها، ولكن الإرهاب خرج من عباءة الأنظمة المستبدة التى تحالفت مع الثورة المضادة. وتشكل سوريا حالة نموذجية فى ذلك، لأن ثورة الشعب السورى حين انطلقت من درعا عام ٢٠١١ كانت سلمية ولم تطمح لأكثر من إصلاح النظام ولكن شراسة القمع دفعت الجماهير بإسقاط النظام، وحينئذ أطلق «الشبيحة» وظهرت الجماعات المسلحة التى قلبت المشهد وسوغت لنظام الأسد ادعاءه بأنه يخوض معركة ضد الإرهاب وليس ضد شعب يدافع عن حريته وكرامته.

(٢)
حقا كان فعل الثورة فى مصر بمثابة لحظة نادرة فى تاريخها، ذابت فيها الهويات والتمايزات والخلافات، وانعقد إجماع الأمة على ضرورة الانتصار للوطن، إلا أنها كانت فى ذات الوقت ومضة لمعت فى الأفق، ثم حجب بريقها بسرعة وجرى تنزيلها إلى الأرض على هيئة مغايرة. أتحدث عن إخفاقين منيت بهما الثورة المصرية فى سنواتها الأولى. أحدهما يتعلق بطمس حقائق الثمانية عشر يوما التى انتهت بإسقاط نظام مبارك، والثانى يتمثل فى تأجيل أهدافها والانجرار فى مسارات أخرى بعيدة عنها.

إن تلك اللحظة التاريخية الباهرة والنادرة وغير المسبوقة فى مصر، جرى تشويهها بسرعة بحيث أضحت عملا مشبوها وسابقة أو حادثا مؤسفا فى السجل العدلى لمجتمع المصريين، وهو ما سوغ اعتبارها مؤامرة من قبل البعض أسهمت فى تدبيرها جهات خارجية، الأمر الذى فتح الباب لاتهام المشاركين فيها الذين صاروا بين محكومين فى السجون أو مهاجرين خارج مصر، أو متوجسين فى داخلها. إن شئت الدقة فقل إن أحداث الثورة أصبح لها الآن تاريخان فى مصر، واحد مدفون ومحبوس والثانى معمم على وسائل الإعلام وحاضر فى ساحات المحاكم. التاريخ المدفون كتبته لجنة تقصى حقائق الثمانية عشرة يوما المجيدة، التى رأسها المستشار عادل قورة رئيس محكمة النقض الأسبق، وضمت عددا من كبار رجال القانون والخبراء. إذ أعدت اللجنة تقريرها فى ظل أول حكومة بعد الثورة ــ فى زمن البراءة الأول ــ وانتهت منه وأعلنته فى مؤتمر صحفى يوم ٣ أبريل عام ٢٠١١، واتهمت فيه الشرطة بالمسئولية عن قتل الثوار. كما حققت وقائع أخرى من قبيل ما جرى فى واقعة الجمل، وفتح السجون وغير ذلك. لكن ذلك التقرير تم تجاهله تماما، وجرى الترويج بعد ذلك لصياغة جديدة للوقائع حملت مسئولية قتل الثوار لعناصر من خارج مصر، وبرأت مرتكبى واقعة الجمل وجعلت فتح السجون جزءا من المؤامرة. (للعلم ثمة تقرير آخر لوقائع مرحلة حكم المجلس العسكرى أعدته لجنة محايدة رأسها المستشار عزت شرباص نائب رئيس محكمة النقض، وقد تم تجاهله ودفنه بدوره).

محو التاريخ الحقيقى للثورة الذى قامت به عناصر الدولة العميقة كان تمهيدا لما هو آت ومقدمة لاستعادة نفوذ وسياسات النظام القديم الذى لم يحاكم رموزه على ما ألحقوه بمصر من فساد سياسى على مدى ثلاثين عاما، وبرئ أغلبهم من التهم التى وجهت إليهم بخصوص الفساد المالى. وفى الوقت ذاته برئت قيادات الشرطة من كل قضايا القتل والتعذيب التى رفعت ضدهم.

حين طمس وجه الثورة وشوهت ملامحه، فإن التساؤل عن مصير شعاراتها وأهدافها لم يعد له محل. إذ لم يكن مستغربا أن تغيب تلك الشعارات عن أجندة النظام القديم الذى عاد إلينا بوجوه جديدة، لذلك أصبح طبيعيا ومفهوما أن تظل تلك الشعارات معلقة فى الفضاء بعد مضى خمس سنوات من الثورة، ولم يتم تنزيلها على الأرض بعد، الأمر الذى يعنى أن الثورة صارت جزءا من التاريخ وليست جزءا من الواقع.

(٣)
يظلم الوضع الراهن فى مصر إذا حملناه بكامل المسئولية عما آلت إليه حال الثورة. ذلك أنه ورث أوضاعا مختلفة كان لها إسهامها الأساسى فى إشاعة حالة القابلية للانتكاس. إذ فى ظل تغييب الديمقراطية وانعدام المشاركة الشعبية طوال عدة عقود فقد المجتمع عافيته وضمرت عضلاته بحيث أصيب بدرجة عالية من الهشاشة والضعف. ففقدت مؤسساته استقلالها بحيث تحولت إلى هياكل وكيانات ملحقة بالإدارة السياسية، وهو ما حدث بالنسبة للأحزاب والهيئات الأخرى، ولم تكن شرائح النخبة بعيدة عن تلك الأجواء. فالتحقت الأغلبية ببيت الطاعة الذى هيمنت عليه السلطة السياسية معتمدة فى ذلك على الأجهزة الأمنية.

هذا المجتمع الرخو الذى أصابته الإدارة السياسية بالإعاقة ظل الناس فيه يختزنون الحزن والغضب، حيث لم يجدوا منبرا يعبر عنهم بعدما جرى تأميم المجال العام واختزال الوطن فى النظام واختزال النظام فى الزعيم الذى بات يستمد شرعيته من قوة الأجهزة الأمنية وبطشها. وحين تمادى النظام فى سطوته وجبروته فإن جيل الشباب كان وحده الذى غامر بالتمرد واستطاع أن يوظف ثورة الاتصالات لإيصال رسالته إلى الملايين التى اختزنت الغضب واحتملت الهوان والانكسار لعدة عقود. تفاعلت الرسالة مع شرارة الثورة التى انطلقت من تونس وأصبحت بمثابة عود الثقاب الذى ألقى فى مخزن الوقود والبارود فكان الانفجار الكبير الذى فاجأ الجميع وأبهرهم.

حين انتفضت الجماهير فى ٢٥ يناير ٢٠١١ فى أجواء الخواء السياسى المخيم آنذاك، فإننا أصبحنا إزاء جسم كبير بلا رأس. وحين غاب الرأس غاب العقل واختلت الرؤية وضاقت الخيارات والبدائل. إذ فى ظل الأنقاض التى خلفها النظام السابق عز العثور على بناء محتفظ بقوامه ويمكن المراهنة عليه. بكلام آخر فإنه حين ماتت السياسة ولم يعد للمجتمع المدنى وجود يذكر فقد البلد بوصلته الهادية وتعذر العثور على قيادة تحظى بالإجماع الوطنى. وفى هذه الأجواء أصبحت القوات المسلحة هى المؤسسة الوحيدة التى احتفظت بتماسكها، ومن ثم صارت «خيار الضرورة» الذى لم يكن هناك بديل عنها.

بشكل مواز فإنه فى غياب المشاركة الشعبية ضمرت أيضا القوى السياسية واختلت العلاقات بين تياراتها المختلفة التى أصبحت أسيرة تناقضاتها وصراعاتها الأيديولوجية، ومن أسوأ النتائج السيئة التى ترتبت ما تورط فيه المثقفون حين انشقت صفوفهم وتوزعوا بين فصيلين أحدهما مدنى والآخر دينى، الأمر الذى أعاد إلى الواجهة الصراع الإسلامى العلمانى، الذى هزم بسببه الطرفان فى نهاية المطاف.

(٤)
لست أقلل من شأن أو أهمية موضوع الإرهاب ولا قصة الصراع بين السلطة والإخوان، لأن مستقبل الثورة والوطن بأسره هو الأكثر أهمية فى اللحظة الراهنة. وهذا المستقبل لم ينل ما يستحقه من اهتمام فى الحوار الدائر الذى بات يستدرجنا إلى أمور فرعية وتفصيلات بعضها يعمق من الجراح والبعض الآخر يوسع من التيه ويحشرنا فى نفقه المظلم. ولأننا لا نملك ترف الاستسلام لذلك المستنقع فلا مفر من استنفار همة الشرفاء فى مصر ودعوتهم للعودة إلى الاصطفاف وراء شعارات الثورة التى حجبت أو نسيت، ومن ثم فتح باب الحوار حول السبيل إلى تحقيق الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، والانتقال من مرحلة الأمن يريد إلى شعار الشعب يريد، بعيدا عن التهريج والتزوير.

وتلك هى الخطوة الأولى لطى صفحة المطالبة بوقف الاختفاء القسرى والانشغال بإدخال البطاطين والأدوية إلى سجن العقرب أو غيره من السجون، فضلا عن الإجراءات الأخرى التى سحبت الكثير من رصيد الثورة.