إذا أردت أن ترسم صورة قاتمة للأوضاع فى مصر، فستجد بسهولة ــ إن كنت منصفا ــ العديد من الأمثلة التى تؤيد وجهة نظرك، حتى لو كنت مؤيدا متحمسا للرئيس السيسى، ومعارضا شرسا للإخوان لا تطيقهم ولا تتحمل سيرتهم.

فاقتصاديا هناك ارتفاعات كبيرة فى الأسعار، وتقلص متزايد فى حجم الاحتياطى الأجنبى، وارتفاع مستمر فى سعر صرف الدولار، مع انتشار البطالة بين الشباب، وضعف الاستثمارات الأجنبية، وركود فى السوق يعانى منه الجميع بمختلف شرائحهم الاجتماعية، مع اتجاه واضح نحو تقليص دور الدولة فى حماية الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل، وهو ما تمثل فى إطلاق تصريحات تصحبها بعض التحركات على الارض، تستهدف تخفيض الدعم، ورفع أسعار الماء والكهرباء وتذاكر المترو وغيرها، مع تخفيض الضرائب على الارباح الرأسمالية، وتسوية الارض أمام قطار الخصخصة، ومنح القطاع الخاص المزيد من التسهيلات المبالغ فيها!

أما على المستوى السياسى، فلا تزال الأوضاع بعد 30 يونيو تتجه نحو تقليص مساحات الحريات العامة التى تفجرت بعد 25 يناير، وهو ما تجسد فى العديد من المشاهد، ربما يأتى على رأسها الاستمرار فى سلب الحق فى التظاهر بالقانون، وفرض قيود أمنية على حرية التعبير، واستمرار التعامل الفظ مع الشباب بل ومع كل ثوار يناير، واعتقال أعداد من الشباب لا يعرف أحد رقما محددا بشأنهم فيما يسمى بـ«الاختفاء القسرى»، وإصدار أحكام طويلة بالسجن على بعض الناشطين، ومنع رموز شبابية من دخول البلاد!

قد يقول البعض إن الأوضاع بعد 30 يونيو تتجه نحو مفاهيم حرية الاقتصاد، فى نفس الوقت التى نرى فيه اجراءات متتالية تستهدف «تأميم السياسة»، وهو تناقض لا يستقيم مع السعى لبناء نظام جديد يمتلك رؤية واضحة لمواجهة الأخطار التى تحيط بنا من كل جانب، فهذا التناقض لن يؤدى إلا إلى نظام سياسى مشوه البناء، عاجز عن الحركة الصحيحة، وغير قادر أساسا على إقناع جماهيره بقبول أفكاره، واحتمال أخطائه لفترات طويلة!

ربما تكون العقلية الأمنية التى ندير بها أمورنا الآن، قادرة على فرض الاستقرار، لكنه سيكون استقرارا وهميا، وسيخصم بالتأكيد من الرصيد الشعبى الكبير للرئيس عبدالفتاح السيسى، لأن الحلول الأمنية بطبيعتها مؤقتة، لا يمكن القبول بها إلا فى الظروف الاستثنائية الخطيرة التى قد تهدد حياتنا واستقرارنا، ولكنها غير مجدية بل وغير صالحة لبناء التقدم فى أى مجال.

ومع ذلك، فإنه فى وسط هذه القتامة، هناك تغييرات جذرية تغلى تحت الأرض، لن يستطيع أحد أن يوقفها، أو أن يوظفها لمصالحه الضيقة، فجيل الشباب الذى شارك فى ثورة يناير، وكان رأس الرمح فى اسقاط نظام مبارك، وقدم حياته بمنتهى البسالة والشجاعة قربانا لشعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، لا يزال منتميا لهذه الشعارات التى رسمت ملامح جيل، سوف يمسك بمقاليد الأمور فى بلادنا خلال عدة سنوات، وسوف يكون قادرا على تحقيق كل أهدافه، بعد فاتورة الدم الباهظة التى دفعها، وبعد أن يسقط كل الوجوه المشبوهة التى تآمرت على ثورته، وادعت قيادته خلال أحداثها، وهى تنفذ أجندات خارجية تلقت مقابلها تمويلات أجنبية بملايين الدولارات.

الطريق الوحيد الذى ينبغى ان نسلكه هو ان نمهد الطريق أمام هؤلاء الشباب لكى ينضجوا فى ظروف صحية، هو ان نوفر لهم أقصى قدر ممكن من الحريات العامة وقبول حقهم فى التمرد الغضب، والتعبير عنه كما يريدون بدون وصاية أبوية بالية، وبدون قيود أمنية خشنة، وإلا فإننا سنكون كمن يحرث فى البحر، بلا أى أمل فى مسقبل أفضل!