«عيش، حرية، عدالة اجتماعية» شعار أطلقته الحناجر على مدى أيام ثورة 25 يناير التى أسقطت نظاما، أهمل فى طريقه كل الاعتبارات السياسية المحترفة التى تراعى التوازن بين فئات المجتمع، ومنحت حفنة من الفاسدين فرصة الثراء الفاحش، على حساب ملايين المصريين الذين هوت بهم الأيام، لترتفع معدلات الفقر، وتزداد تداعياته فى انتشار الأمراض وتدنى الخدمات الصحية، وانخفاض حاد فى مستوى التعليم، وإهمال غالبية مرافق الدولة.

اليوم وبعد خمس سنوات من ثورة يناير، يظل الشعار مطروحا وخاصة العدالة الاجتماعية، التى لا تزال المطالبة بها حاضرة وبقوة، وهو ما يترجم من وقت لآخر فى شكل احتجاجات فئوية هنا وهناك، أو تبرم وعزوف غالبية الشباب عن المشاركة فى العمل العام، بل إن فشل الحكومة فى تمرير قانون الخدمة المدنية فى مجلس النواب يعكس شعور فئة الموظفين فى دولاب الدولة، بالخوف مما قد يخفيه مستقبل الأيام.

لايزال المتعطلون عن العمل يبحثون عن فرصة لهجر المقاهى، أو التسكع فى الطرقات بما تحملهم من عناصر جذب للضلال والتطرف الفكرى، والعنف بل والإرهاب أحيانا، وهو ما يتطلب المسارعة باتخاذ قرارات سريعة تفتح الأفق أمام المزيد من فتح أبواب الرزق، وألا تجنح الحكومة إلى التعلل بنقص الامكانيات، رغم إدراكنا جميعا بالتركة الثقيلة التى خلفتها سنوات حكم مبارك الثلاثين.

ولعل فيما شهدته تونس الأيام الأخيرة، انطلاقا من احتجاجات القصرين التى انتقلت شراراتها إلى مناطق تونسية عديدة، ما دفع السلطات إلى فرض حظر التجوال، فقد ركز الأشقاء خلال السنوات الخمس الماضية على قضايا الحريات والصراع السياسى على حساب حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التى كانت سببا فى اندلاع ثورات «الربيع العربى» رغم ما بات يغلف التعبير من اتهامات سلبية.

شباب تونس الذين استبشروا خيرا بعد سقوط بن على، بأن الوقت قد حان لاسترداد كرامتهم الإنسانية، والعيش بحرية، فى شكل فرص للعمل، وتوزيع عادل للدخل القومى بين الناس، وبما يصب فى نهر العدالة الاجتماعية، فإذا به يجد نفسه جالسا على رصيف البطالة، محاصرا بالفقر والتهميش، وكأن ثورة لم تقم، أو نظاما لم يسقط، هنا عاد الغضب يعتمل فى النفوس من جديد، انتظارا للحظة المكاشفة التى جاءت مع انتحار الشاب العاطل عن العمل رضا اليحياوى الذى قال لسان حاله قبل الرحيل «تبا لكم».

هذا الدرس التونسى، لا يجب أن يمر مرور الكرام، وألا يدخل دائرة النسيان، فاحتياجات الناس الاجتماعية والاقتصادية، لا يصلح معها التجاهل، خاصة أن المعاناة الكامنة تحت الجلد سيأتى الظرف الذى تخرج فيه على شكل هبات، ربما تكون الفوضى التى لا تبقى ولا تذر أهم ملامحها.
عندما نتأمل المشهد التونسى، والذى تعاملت معه القبضة الأمنية كحل مؤقت لكبح جماح الاحتجاجات، تجعلنا نحذر صمت الناس أمام تجاهل معاناتهم اليومية التى طال مداها، علينا فى مصر أن نعى جيدا الدرس، قبل أن تقع الفأس فى الرأس، كما يقال، خاصة أن الانتخابات الأخيرة أفرزت برلمانا يغلب على نوابه رجال المال أو الدائرين فى فلكهم، مع تضاؤل نسبة الذين يعون أهمية فكرة العدل الاجتماعى، وضرورة أن تنتصر الدولة للفقراء، والمهمشين، وهم الغالبية العظمى من أبناء هذا المجتمع.

 «العدالة الاجتماعية» يجب أن تخرج من حيز الشعار إلى واقع الحياة العملية قبل أن تضرب رياح «القصرين» التونسية أبواب قاهرة المعز، وباقى أرجاء المحروسة.