أن تساوى أجهزة الأمن بين إرهابى عتيد فى سيناء يفجر الطائرات وينسف المعسكرات ويتفنن فى وسائل قتل الجنود والمواطنين وبين رسام كاريكاتير لا يملك إلا ريشته ورأيه فتلك كارثة، وأن تساوى بين من يفجر محطات الكهرباء ويلغم السكة الحديد أو حتى حامل المولوتوف وبين صاحب دار نشر فتلك مأساة.


ما يحدث الآن من توسع مبالغ فيه تماما فى عمليات القبض على ناشطين ومبدعين سيلقى بآثار سلبية على كل مصر، على الحكومة والبرلمان والرئاسة والمجتمع المدنى.
 قبل يومين تم القبض على رسام الكاريكاتير إسلام جاويش فى أثناء مداهمة موقع إلكترونى فى مدنية نصر قالت الشرطة إنه يعمل من دون ترخيص والحمد لله تم اطلاق سراحه أمس


سوف نفترض أن الموقع غير مرخص، والسؤال: ما الذى كان يمنع التحقيق فى الواقعة من دون القبض على الرسام، أو التحقيق معه على ذمة القضية وهو مطلق السراح؟
على حد علمى هناك مئات وربما آلاف المواقع الإلكترونية أو حتى الصفحات تعمل من غير ترخيص، فهل سيتم القبض عليهم جميعا؟!!.


الشرطة قالت إن سبب القبض على جاويش أن المكان غير مرخص، لكن الدنيا بأكملها تعاملت مع الأمر باعتبار أن الرسام انتقد الرئيس السيسى وبعض رموز الحكومة فى رسوماته، وهذا ما سيصدقه الناس فقط.


هل سوف يصدقنا أحد حينما نقول إنه تم القبض على جاويش لانه كان يستخدم نسخة ويندوز مقلدة؟ والله حرام وعيب غالبية المصريين وربما شعوب العالم الثالث تفعل ذلك، ولو تم القبض على كل شخص استخدم أو يستخدم نسخ ويندوز غير أصلية لتم اعتقال ثلاثة أرباع البشرية!!


صباح أمس زارنى صحفى فرنسى يجرى تحقيقا صحفيا عن ثورة يناير، ومن بين أسئلة كثيرة كان السؤال عن تفسيرى لسر القبض على العديد من الناشطين والمبدعين والناشرين فى الأيام الأخيرة. ولم أعرف كيف أرد بكلام منطقى وقلت له اسأل الحكومة.


المصريون ممتنون بالطبع للشرطة حينما تقبض على ــ أو تعاقب ــ إرهابى أو مخرب أو حتى «كاسر لإشارة مرور»، لكن ينزعجون ويغضبون حينما يتم القبض على رسام كاريكاتير أو صاحب دار نشر أو أى مبدع خصوصا إذا كانت الاتهامات مطاطة.


وحتى لا يتهمنى البعض بأننى «فوضوى ومن المشاركين فى المؤامرة»، أسارع فأقول: حاسبوا أى شخص يخالف القانون، لكن عليكم دائما بالتفكير لمدة خمس دقائق فقط قبل القبض على الناس «عمال على بطال».
للتذكرة نسأل: ما الذى حدث حينما تم القبض على صحفيين وناشطين أجانب قبل أقل من ثلاثة أعوام تقريبا؟!
للأسف كانت نقطة غاية فى السلبية تم استخدامها بمهارة ضد مصر وسمعتها وحكومتها، وفى النهاية تم إطلاق سراحهم، وحتى رئيس الجمهورية كرر أكثر من مرة قوله إنه لو كان مسئولا وقتها لتم إبعادهم خارج البلاد وليس القبض عليهم.
ما الذى سوف تستفيده الدولة من القبض على مخرج سينمائى، أو رسام كاريكاتير أو صحفى أو باحث، لماذا لا تحاكمهم وهم مطلقو السراح مادامت التهمة ليست عملا إرهابيا أو خطيرا؟!.
للأسف الشديد يبدو أن من يتخذ القرار فى هذه الأمور لا يدرى حجم الخسارة التى تتعرض لها سمعة مصر بأكملها، وليس فقط سمعة الحكومة والرئاسة وسائر الأجهزة الأمنية.
التوسع الشديد فى عمليات القبض والمداهمة يعيد للأذهان أسوأ أيام حسنى مبارك ونظامه، بل إن مسئولى الأجهزة فى تلك الأيام كانوا أكثر خبرة ومهارة مما يحدث الآن.
هذه الأيام يبدو لنا أن الأمور تتم بعشوائية، البعض الآن يتندر بالقول إن الحكومة وأجهزتها لا تحتاج إلى معارضة، فما تفعله بنفسها يؤدى الغرض ويزيد. وعلينا أن نتذكر أن مثل هذه الأفعال والممارسات هى التى قوضت نظام حسنى مبارك، وقادت لتمرد غالبية المصريين ضد جهاز الشرطة.
ما يحدث خطأ وخطيئة وكارثى، واستمراره كارثة أكبر.