مقالات

محمد الشبراوي (مصر)

ما يقدمه زيدٌ اليوم سيقدم أضعافه عمروٌ، وكلهم مريد يتبع القطب الأكبر ترامب، يتزلفون للبيت الأبيض آناء الليل وأطراف النهار، يخطبون وده يرجون قربه، وكلهم ثقة أنها ضمانة غير أكيدة، لكنها تطيل جلوسهم على الكراسي حتى حين.

ليست صداقة دائمة، إنما مصالح دائمة. هذا منطق الدول الكبيرة، منطق لا يختلف في فحواه عما قرّره عروة بن الورد، وإن كان يومها “لولا الدراهم ما حياك إنسان”؛ فاليوم يمكن تعديله وتحويره قليلًا ليصبح “لولا النفط وأشباهه”. 

لم يحدث أن استماتت أميركا في تمسكها بحليف ما، وعلى طريقة الإمام الشافعي “ففى الدول أبدال وفي التَركِ راحةٌ”، فما يقدمه زيدٌ اليوم سيقدم أضعافه عمروٌ، وكلهم مريد يتبع القطب الأكبر ترامب، يتزلفون للبيت الأبيض آناء الليل وأطراف النهار، يخطبون وده يرجون قربه، وكلهم ثقة أنها ضمانة غير أكيدة، لكنها تطيل جلوسهم على الكراسي حتى حين.
قبل أربعين عامًا، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1978، أعطت الإدارة الأميركية ظهرها للشاه، وأنذرت الخارجية باقتراب موعد سقوط الشاه ونظامه، ومع ذلك حاول كارتر وبريجينسكي التمسك به (ربما لحفظ ماء الوجه)، وراهنا على اجتيازه الأزمة، وبعد مذبحة الجمعة الأسود 8 سبتمبر/أيلول، أرسل كارتر برقية يعلن فيها دعمه غير المشروط للشاه ولنظامه.
وبينما يجر أيلول أذياله، طلب كارتر من وكيل وزارة الخارجية السابق، جورج بول، إعداد تقرير عن الأزمة الإيرانية، وجورج بول هذا النسخة القديمة لجون بولتون، كان شديد اللهجة للشاه ونظامه؛ فأعد تقريرًا تكهَّن فيه باحتضار النظام في إيران، واشترط بول لنجاة الشاه أن يبادر فورًا بالتخلي عن معظم سلطاته لحكومة مدنية تستند إلى قاعدة شعبية عريضة.
التقى تقرير بول في كثير من نقاطه مع تقرير أرسلته الحكومة الفرنسية إلى البيت الأبيض، وزاد التقرير الفرنسي أن الخميني مستعد للتفاوض مع الغرب، وأنه يعادي السوفييت عداء الماء للنار، ولن يتأخر في التعاون مع الولايات المتحدة، وسيضع النفط الإيراني تحت تصرف الأميركيين.
عندها، ألقى البيت الأبيض طوبة الشاه، وأحرق ورقته التي راهن عليها لوقت غير طويل، وانحاز البيت الأبيض لمصالح أميركا، وباعت حليفها ومنعته دخول أراضيها. وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فتسابق أبوظبي الزمن وتغدق العطاء، وتسعى لتأمين لقاء يجمع حفتر بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتخطط لجمعه بمسؤولين في البنتاغون، وللسبب نفسه يحاول مستشارو حفتر منذ مدة دون طائل.
لم تكلّل كل هذه المساعي بما يستحق الذكر، وتبخرت أحلام الرجل المتقاعد سريعًا؛ فقبل أقل من شهرين (19 إبريل/ نيسان) أعلن البيت الأبيض عن اتصال أجراه ترامب بالجنرال الليبي المتمرد، خليفة حفتر، وأثنى على حمايته المنشآت النفطية الليبية.
لكن الكلام رخيص، والأفعال أعلى صوتًا من الكلمات؛ فلم يحقق حفتر تقدمًا ملموسًا يشفع له على الأرض، وبعد مرور شهرين لم يفلح في دخول طرابلس، كما أن الحلف العربي الداعم لحفتر لم يعد موحدًا، وتضاربت مصالح الرياض وأبوظبي في ليبيا؛ فتراجعت حماسة ترامب وأعرض عن حفتر، وبعدما كان الملف الليبي على الرف الأميركي، إذا به الآن يخرج إلى النور ليوضع على طاولة وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو.
في الوقت ذاته، يرى مسؤولون أميركيون أنّ اتصال ترامب بحفتر لا يعكس التوجهات الأميركية، إنما مجرد خدمة شخصية لحلفائه في الشرق الأوسط، ولا تأثير لهذا الاتصال بالسياسة الأميركية في الملف الليبي. ووفق جريدة “ذي غارديان” البريطانية، تعمل واشنطن الآن على إعادة تقييم سياستها في ليبيا، وأن الملف انتقل إلى وزارة الخارجية، وأن السيناريوهات المطروحة حاليًا أسقطت حفتر من حساباتها. كانت واشنطن قد أطاحت الكرة في الملعب الأوروبي، ولم تتمكن فرنسا من توفير توافق أوروبي حول مشروع حفتر، وتتقزَّم فرص حفتر مع فشله في دخول العاصمة، وإطالة أمد الحرب واستهداف المدنيين.
لم يفد حفتر من شركة “ليندن ستراتيجيز” للعلاقات العامة، وخسر مليوني دولار لتسويق نفسه عند الإدارة الأميركية. تزامن ذلك مع نفي قناة الحرة الأميركية نبأ لقاءٍ مرتقب يجمع حفتر بالرئيس ترامب في البيت الأبيض، ووصفت الخبر بأنه “مجرد شائعة”، وأكد مسؤول رفيع المستوى صحة تصريح الحرة.
لن يختلف موقف حفتر عن الشاه وغيره من حلفاء الإدارة الأميركية، وإن لم تجد عنده ما يحقق مصالحها؛ فإنها ستقلب له ظهر المجن، وتسلمه للعدالة تسليم أهالي، ولن يعدم ترامب الذي خلع عليه بالأمس لقب المشير أن يصفه بالمجرم الخطير، والدنيا لمن غلب.

إعجاب تحميل...