(1)
أشم رائحة شيء يحترق، وأغلب الرأي أنه لحم الوطن، لهذا فرضت فكرة الحرق نفسها على رأسي. وقد تحرجت أن أعبر صراحة عن هذا الهاجس في مدخل رمضان، فأجلت إعلان ما أنتويه إلى اليوم!

لفظة "أنتوي" تستدعي إلى أذهان جمهور يناير ذلك التصريح المراوغ الذي أطلقه مبارك في "خطاب الاحتيال العاطفي"؛ قبل تنحيه بأيام، لكنها تحتل عندي مكانة سياسية طريفة تغريني باستخدامها في كل المناسبات التي تحتمل عدم الوفاء. وبما أنني لا أثق في وفائي بالاستمرار في مشروع الكتابة عن الجحيم لفترة طويلة، تحسبا لهجمات القضايا التي تلاحقنا، فإنني أستخدم هذه الكلمة على سبيل الإخلاص لاستخدام "المصطلح المباركي" في موقعه، فلا يمكن في بلاد مثل بلادنا أن نتحدث عن منطق مستقر ولا مشاريع قابلة للاستمرار؛ دون تقاطعات واعتراضات، حتى لو كانت مشروعات جحيمية عن النار والاحتراق.

(2)
أستدرك فأقول إن المشروع المؤقت لهذه المقالات ليس عن النار، لكن عن الحرائق، فالنار حالة عجيبة في حياتنا؛ لأنها تجمع بين الحضارة والدمار، بين التطهر والعقاب، بين المعرفة والخراب. أما الحريق، فلا يحتمل إلا الجانب السلبي من قيمة النار المركبة. وبما أنني أشم رائحة لحم يحترق، فإن المقالات ستنحصر في الدلالة التخريبية للنار بوصفها حريقا لا بريقا.

(3)
هذا الكلام القطعي عن الحريق باعتباره خرابا صريحا؛ ليس كلاما دقيقاً، لذلك أستدرك مرة أخرى وأقول إن بعض الحرائق (حتى التخريبي منها) قد تكون لها دلالات إيجابية.

ويمكنني هنا أن أحرق بعض الأمثلة الشائعة في هذا المجال لأثبت فكرتي. فمثلا، حريق روما الشهير، هناك من يعتبره فرصة لإعادة تخطيط وبناء روما الجديدة على أنقاض مدينة تشوهت وشاخت.. ومثلاً، هناك حريق موسكو في القرن الـ16 الذي شكل نقطة تعبوية في حرب القرم، لدعم المقاومة بطفرة غير متوقعة، لذلك تكرر حرق موسكو كوسيلة دفاع ناجحة ضد غزو نابليون في القرن الـ19.. ومثلا، هناك حريق القاهرة في منتصف القرن الماضي؛ الذي يعتبره كثيرون أحد أهم الأسباب في القضاء على حكم الأسرة العلوية وإعلان النظام الجمهوري.

وهناك في الفكر الاستراتيجي ما يعرف بسياسة "الأرض المحروقة"، وهو إقدام سكان بلد ما على حرق ممتلكاتهم وأسلحتهم، وكل ما يمكن لجيوش الأعداء أن تستولي عليه وتستفيد منه، كما فعل سكان صيدا مفضلين حرق المدينة على تسليمها للفرس.. وهناك أمثلة كثيرة أخرى تستدعي للذاكرة فكرة حرق اللحم البشري، كعلاج من أمراض لا ينفع معها غير النار، تطبيقاً للموروث الذي يعتبر "الكي" آخر وسيلة للعلاج.

(4)
الاحتراق إذن ليس شراً مطلقاً، حتى لو كان جالبا للدمار والخراب في لحظة؛ لأن هذا الدمار قد يكون فرصة للمقاومة وإعادة البناء وتجنب استسهال الخراب، وهي الحالة التي استقر عليها وجدان عدد من الشعوب التي ذاقت ويلات الاحتراق، في حروب أو صراعات غبية أو مهالك أفضت إلى فوبيا من الخراب ومن الحروب، ومن القفز على حقائق التعايش السلمي وحقوق الحياة.

ومن هذا الأمل، نحاول معا إدراك الفارق بين الحريق كلحظة مؤقتة يمكن العبور منها إلى حال أسلم، والحريق كسياسة متبعة ومسار ممتد في المستقبل. فالحريق اللحظي مجرد تصوير واقعي لكارثة أو ظرف قهري يسعى ضحاياه لتجاوزه وتحسين حياتهم، بينما الحرق كسياسة جريمة إنسانية يجب التنديد بها ووقفها، سواء ارتكبتها طوائف إبادة أو سلطة تخويف، أو نظام قمع وتجهيل بالطريقة التي صورها راي برادبري في روايته المنددة بالمكارثية "فهرنهايت 451".. وسواء كان الحرق سياسة احتجاجية تمارسها معارضة فوضوية بغرض الانتقام أو الهدم، أو سلوكا تحذيريا تقوم به جماعات نوعية ذات توجه خاص؛ لتنبيه الغافلين إلى المخاطر الموجودة أو المقبلة، كما فعل ماكس فريش مثلا في مسرحيته الذائعة "مشعلو الحرائق".

(5)
الاحتراق قد يكون أحيانا أعمق وأشمل من اشتعال النيران في حقول أو مساكن؛ لأنه قد يمتد إلى النفوس والعقول ومستقبل الحياة، وهو ما عبرت عنه الأفلام التحذيرية من العنصرية الكامنة في قلب المجتمع الأمريكي، ومنها فيلم آلان باركر المخيف "المسيسبي يحترق"، أو الأفلام المأخوذة عن روايات كورماك مكارثي الذي يذهب إلى أبعد من قضايا العنصرية، فيعبر عن مخاوفه من احتراق الأرض بما وبمن عليها، بحيث لا تتبقى إلا شواهد قليلة تصلح لتدوين الحكاية ببقايا الإنسان وبقايا المكان.

ولعل فيلم "احتراق" للمخرج الكوري "شانج دونج لي"؛ من أجمل الأفلام التي حفزتني على كتابة هذه السلسلة المحتملة من المقالات. فالفيلم الذي نال عدة جوائز دولية العام الماضي؛ يتجاوز هاجس الحرق المادي الذي يسكن عقل إحدى الشخصيات المعقدة العابثة، كما رسمها الكاتب الياباني المثير للتفكير "هاروكي موراكامي" في قصته العجيبة "احتراق حظيرة"، ليصل إلى فكرة الحرق بمعناها الأشمل؛ الذي تتجاور فيه نيران الروح مع نيران الجسد، بحيث لا يبقى على وجه الحياة إلا الرماد، كملمح ثابت ومتواصل

(6)
لقد أخبرنا برادبري أن الأنظمة المكارثية تعتمد الحرق كوسيلة تمكين لحكمها، حتى أنها قامت بتحويل إدارة الإطفاء إلى فرق لإشعال الحرائق حسب طلب السلطات، بينما وضع حسين كمال المشاعل في يد الفلاحين لحرق الطاغية، بمساعدة عبد الرحمن الأبنودي، بالرغم من خلو قصة ثروت أباظة من النار تماماً، وذلك لتحويل رواية أباظة الركيكة "شيء من الخوف" إلى عمل ملحمي يغازل الواقعية الاشتراكية التي كانت رائجة في تلك الأيام من الستينيات. وهذا العمل يخبرنا، كما أخبرنا ماكس فريش في "مشعلو الحرائق"، أن الشعوب أيضاً لديها رغبة في الحرق، ولديها قدرة على إشعال نيران الدمار والانتقام.

وحتى نلتقي في المقال المقبل أدعوكم لتأمل الدعاء الذائع على ألسنة المصريين في السنوات الأخيرة، حيث يرددون في الجد والهزل معاً، قاصدين كل ظالم ومتعنت وشرير وسخيف: "ربنا يحرقه"، وبصياغة أخرى أكثر عفوية وتشدداً: "ربنا يولع فيه بجاز وسخ". ولعل في هذه الدعاء ما يكفي للدلالة على المسار الشعبي لسياسة الحرق، كسياسة متعددة الأغراض والأهداف.

نجاكم الله من كل شر، وأنعم عليكم بكل خير وأمن وسلام وحرية.

[email protected]

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"