قالت وكالة رويترز للأنباء، الاثنين، إن تركيا تدرس تأجيل استلام منظومة الدفاع الصاروخية الروسية "إس 400" المقرر تنفيذها في تموز/ يوليو المقبل. وذكرت الوكالة، في تقريرها الذي عزته إلى "مصدر مطلع"، أن هذا القرار جاء استجابة لطلب الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن هذه الخطوة ستشكل انفراجة في العلاقات بين أنقرة وواشنطن بعد أشهر من التوتر.

النفي التركي لما ورد في تقرير رويترز لم يتأخر، حيث قال مسؤول تركي رفيع لذات الوكالة؛ إن أنقرة لن تلغي صفقة شراء "إس 400"، بل ستستلم المنظومة الروسية في تموز/ يوليو المقبل كما أُعلن، مؤكدا أن الموقف التركي من الصفقة لا تغيير فيه. وهذا الموقف الثابت سبق أن جدده رئيس دائرة الاتصال في رئاسة الجمهورية التركية، "فخر الدين ألطون"، حين رد على المحرر السياسي في صحيفة "بيلد" الألمانية، "جوليان روبكي"، قائلا إن "عملية شراء إس 400 اكتملت". وكان روبكي قد زعم أن "مصادر دبلوماسية" صرحت لصحيفته، بأن "رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، لن يشتري المنظومة الدفاعية من روسيا".

تركيا بحاجة ماسة إلى منظومة "إس 400" لتعزيز قدراتها الدفاعية في منطقة ملتهبة، وأوضاع تشتد فيها التحديات والمخاطر المحيطة بها يوما بعد يوم، وتخليها عن هذه الصفقة أو تأجيل استلام المنظومة يعني بقاء أراضيها مكشوفة أمام هجمات جوية وصاروخية محتملة. وبالتالي، تصر أنقرة على شراء المنظومة الروسية، مهما بلغ حجم الضغوط الأمريكية.

الملفات التي تختلف فيها تركيا والولايات المتحدة عديدة، وشراء تركيا منظومة "إس 400" من روسيا ملف واحد فقط من تلك الملفات. ولذلك، تنظر أنقرة إلى الموضوع من منظور أوسع؛ لأنها متأكدة من أن الخلافات الأخرى لن تحل لمجرد تخليها عن صفقة "إس 400" أو تأجيل استلام المنظومة الروسية.

المحادثات التركية الأمريكية حول صفقة المنظومة الروسية، وكافة الخطوات التي تقدم بها الطرفان التركي والأمريكي لتجاوز الأزمة منذ بدايتها تسير في اتجاهين مختلفين. وتسعى أنقرة في الاتجاه الأول إلى إقناع واشنطن بأن شراءها لمنظومة الدفاع الجوي الروسية لن يشكل خطرا على أمن معلومات أنظمة الناتو. وكانت آخر خطوة تركية بهذا الاتجاه، اقتراح تشكيل "مجموعة عمل تقنية مشتركة" لضمان عدم تهديد منظومة "إس 400" أنظمة الحلف. وأما واشنطن، فتحاول أن تدفع المباحثات نحو الاتجاه الثاني؛ الذي يهدف في النهاية إلى إجبار تركيا على التخلي عن صفقة "إس 400". ولذلك، لا يبدو في الأفق، حتى اللحظة، حل وسط للأزمة يرضي الطرفين.

تركيا بدأت التنقيب عن النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط، وعازمة على حماية حقوقها وحقوق جمهورية قبرص الشمالية التركية في الحوض الشرقي للبحر مهما كان الثمن. وأطلقت رئاسة الأركان التركية، الاثنين، أكبر مناورة بحرية في تاريخ البلاد بمشاركة 131 سفينة بحرية، و57 طائرة حربية، و33 مروحية. وأطلقت مناورات "ذئب البحر" بشكل متزامن في البحار الثلاثة التي تحيط بالأناضول، في رسالة مفادها أن تركيا قادرة على مواجهة كافة التحديات في أكثر من جبهة، وفي آن واحد. ومن المؤكد أن منظومة "إس 400" ستعزز هذه القدرة الدفاعية.

البحر الأبيض المتوسط يشهد أزمة تتصاعد يوما بعد يوم، في ظل الخلاف على الثروات وتقسيم الحدود البحرية والتنقيب عن الموارد الطبيعية، بين تركيا وجمهورية قبرص الشمالية التركية من جهة، وإسرائيل ومصر واليونان وقبارصة الروم من جهة أخرى. واستلام تركيا لمنظومة "إس 400" من روسيا سيغير توازن القوة لصالح تركيا في محيطها، بما فيه شرق البحر الأبيض المتوسط وشمال سوريا وكافة الأراضي اليونانية.

صفقة "إس 400" جزء من مساعي تركيا لحماية أمنها ومصالح شعبها واستقلالية قرارها، كما أنها من بين الملفات التي أدَّت إلى تعزيز العلاقات التركية الروسية التي تراه أنقرة في غاية الأهمية؛ لتحقيق التوازن ومواجهة الضغوط الأمريكية. ومما لا شك فيه، أن واشنطن منزعجة من هذه العلاقات التي تمنح تركيا مساحة أكبر للمناورة، وليس فقط من صفقة "إس 400" وحدها.

 

اقتراح الولايات المتحدة تأجيل استلام تركيا منظومة "إس 400" إلى عام 2020 يثير علامات استفهام؛ لأن المعروف أن هدف واشنطن هو إجبار تركيا على التخلي عن شراء المنظومة الروسية


اقتراح الولايات المتحدة تأجيل استلام تركيا منظومة "إس 400" إلى عام 2020 يثير علامات استفهام؛ لأن المعروف أن هدف واشنطن هو إجبار تركيا على التخلي عن شراء المنظومة الروسية. ويبدو هذا الاقتراح مجرد محاولة لكسب الوقت، فهل تتوقع الولايات المتحدة تطورا كبيرا في تركيا يغير موقف أنقرة من صفقة "إس 400"؟ لا ندري.

المباحثات بين أنقرة وواشنطن مستمرة. وحتى اللحظة، ليس هناك مؤشر يشير إلى احتمال إلغاء الصفقة أو تأجيل استلام المنظومة الروسية. بل تفيد تصريحات المسؤولين الأتراك بأن تركيا تمضي قدما في شراء "إس 400". وهذا ما أكده أيضا رئيس حزب الاتحاد الكبير التركي، مصطفى دستيجي، بعد لقاء جمعه الثلاثاء مع أردوغان في القصر الجمهوري.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"