3f9f99ec-4040-4281-aef9-6a422d25677f.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

نجوى بركات

ألغتِ الحداثةُ سحريةَ العالم، منتجة فراغاً روحياً تقابله وثنية تكنولوجية. بيد أن الأبطال الخارقين كلهم عادوا، استيقظوا فجأة من الميثولوجيا القديمة، ومن أساطير نائمة وثقافات منسيّة، ليجتاحوا عالمنا الحديث من كلّ حدب وصوب.

لستُ من الذين يميلون إلى ركوب الموجات التي تجتاح “قريتنا الكونية”، بل إنّ لديّ نزعة فطرية إلى مقاومة السائد والسير عكس التيّار. هكذا كنتُ من القلائل الذين لم يذهبوا إلى مشاهدة فيلم “تايتانيك” مثلا حين اجتاح شاشات الكرة الأرضية، وقنعتُ بمشاهدته على الشاشة الصغيرة بعد سنوات. 

ثم، أخيراً، وبعد “طرْقٍ” يوميّ على دماغي، مع اقتراب موعد إطلاق الموسم الثامن والأخير من مسلسل “لعبة العروش”، ومع كل “النتف” التي فُرضت عليّ مشاهدتها هنا وهناك، وسماعي عن شخصياتٍ يتمّ الحديث عنها بشكل عاطفي انفعالي، يجعلها تبدو واقعية، وتحليلاتٍ لا تنتهي عمّا سيؤول إليه مصير دينيريس تارغاريان، وجون سنو، وتيريون لانيستر، وأبناء آل ستارك، وذكر أحداث وأمكنة وفرق وشيع… إلخ، رحت أقترب بتوجّسٍ، محاولةً استكشاف ما بات يشكّل حدثا، لا بل هوسًا كونيًا.
المسلسل مستوحى من سلسلة روايات “أغنية الجليد والنار” الخيالية، للكاتب الأميركي جورج ر. ر. مارتن، التي تحكي عن خمس ممالك تتصارع في ما بينها للاستيلاء على “العرش الحديدي”، في حين تقترب حربٌ خارجية كبرى، تهدّد بقاء الممالك الخمس وبشرها أنفسهم عبر تحويل هؤلاء أمواتا أحياء. وتجري الأحداث في قارّتين، هما ويستروس وإيسوس، متّبعةً ثلاثة خطوط رئيسة، هي إلى جانب حرب العائلات النبيلة في ما بينها للاستيلاء على ويستروس، الخطر الداهم الآتي من الحدود الشماليّة، ومحاولات دينريس تارغاريان، ابنة الملك المنفيّ، استرداد عرش أجدادها.
هذي الروايات التي تذكّر، إلى حدّ بعيد، ببعض عوالم شكسبير وشخصياته، حيث صراع الخير والشر، والساحرات، وحبّ السيطرة، وثيمة العنف الداخلي والخارجي، تُظهر بشكل جليّ ما استلهمه الكاتبُ في روايته بأجزائها الخمسة، من “حرب الوردتين” التي ورد ذكرها في مسرحية “هنري السادس”، ودارت رحاها خلال ثلاثة عقودٍ بين عائلتي يورك ولانكاستر حول الأحقية بعرش إنكلترا.
أخيرا، شاهدتُ المواسمَ السبعة تباعاً، على إحدى القنوات الأجنبية التي كانت تعرضها بشكل متواصل أيّاماً، بمناسبة ابتداء عرض الموسم الثامن في 11 إبريل/ نيسان الحالي. وأجل، المسلسل هائلٌ بكل معاني الكلمة، إنتاجاً وتصويراً وأداءً. وأجل، لا بدّ لمن يتابعه أن يتعلّق بشخصياته وقصصها، وأن تطبعه مشاهدُ المعارك والدم، أعداد الكومبارس وروعة أماكن التصوير، الأحاجي والألغاز والمؤامرات والمفاجآت و…
لكن، ما إن ينزاح أثرُ المفاجأة الأولى، وهو لن ينزاح إلا بعد وقت، حتى ينتبه المشاهدُ إلى أنّ حلقةً من اثنتين تدور حول معارك طاحنة لا تنتهي، وأن الحلقات، في معظمها، تنتهي إلى موت عدد من أبطالها في نهايتها، وأنّ كاتبيْ المسلسل ينزعان أكثر فأكثر إلى اتّباع “أسلوب أميركيّ” معتاد في بناء حبكات و”مفاجآت” تصبح متوقّعة أكثر فأكثر، وأنّ ثمّة “هابي إند” تلوح في الأفق، حيث سيقع الشريرُ في فخّ شرّه، وينتصر الطيّبُ والخيّرُ فيُبعث حيّا وإن مات (قيامة جون سنو بعد مقتله). ولا بدّ أن يشعر المشاهدُ نفسَه متورّطا في عالمٍ سحريّ، فيه تنانين تطير وتبصق نارا، وسحرة يرون المستقبل ويقيمون الموتى، وجنيات صغيرة خلقت شياطينَ بعيون زرق، بعد أن اعتدى الرجالُ الأوائل عليها. ثمّة سيوفٌ مصنوعةٌ من معدن معيّن لا ينكسر، وأحجار زجاجية تقضي على الموتى الأحياء، ونساء يرتدين الدروع ويقاتلن، وإخوة يتحابّون ويتزاوجون، وقتلة وأقزام وأبناء غير شرعيين، ومتطرفون ومعابد بآلاف الوجوه، إلخ…
بل لا بد للمشاهد أن يجد نفسَه أشبه بطفلٍ صغير يحبّ الحكايا، وتحمله مخيّلته بعيدا، وإن افترضنا أنه، على عكس طفل، سوف يكون واعيًا “العبرة”، فالنزاعات الجارية تطرح أكثر من سؤالٍ حول ماهية علاقات الدم والروابط الأسرية، واعتبار الالتزام الأخلاقي شرطا للخلاص، والعنف حين يكون مبرّرا أم لا، وفكرة المغامرة وتلازمها مع فكرة الموت. والحال أنّ عالمنا اليوم يعاني من “انفكاك السحر” (داريوش شايغان)، وقد ألغتِ الحداثةُ سحريةَ العالم، منتجة فراغا روحيا تقابله وثنية تكنولوجية. بيد أن الأبطال الخارقين كلهم عادوا، استيقظوا فجأة من الميثولوجيا القديمة، ومن أساطير نائمة وثقافات منسيّة، ليجتاحوا عالمنا الحديث من كلّ حدب وصوب.
أجل، ربما الهوس بمسلسل “لعبة العروش” هو من هوس إعادة العالم سحريًّا من جديد.

إعجاب تحميل...