هل صحيح البقاء للأقوى في عالمنا؟

وهل ينطبق هذا المبدأ على سوق النفط العالمي الذي على وشك الانهيار، لولا أننا فقط لا ننتبه لخطورة الموقف.

هل تحولت الولايات المتحدة الأمريكية إلى سعودية جديدة وضاع الزمام من يد السعودية؟ وهل سوف تتمكن روسيا من التربع على عرش سوق النفط؟ وهل ستتمكن إيران من استعادة حصتها السوقية من النفط؟ … أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابة.

ربما يُصعب على القارئ البسيط أن يفهم أزمة النفط الحالية أو أسبابها، خاصة وأن الفاعلين الرئيسين في اللعبة كُثر، والعلاقات بينهم معقدة ومتشابكة، ولكني سأحاول تبسيط الفكرة كما أفهمها.

أزمة النفط تتمثل واقعيا في انهيار أسعاره إلى حدود الثلاثينات وما زال الانخفاض مستمرا بلا توقف، ونحن كاقتصاديين نترجم دائما في عقولنا قضية انخفاض السعر إلى فجوة المعروض؛ حيث إن هناك زيادة كبيرة في إنتاج النفط، وعلى الجانب الآخر يقل الطلب عليه.

بدأ الأمر من جهه الولايات المتحدة الأمريكية حينما أنتجت النفط الصخري؛ حتى تقلل من وارداتها النفطية من دول الخليج، وتحقق الاكتفاء الذاتي، خاصة أن أمريكا كانت تبدو دائما متخوفة من الاستيراد النفطي من دول الخليج.

والسؤال هنا، هل يمكن أن نوجه اللوم إلى أمريكا ذلك الشيطان الذي خرّب سوق النفط وتحدى العالم. لا أبدا لا يمكن لومها بأي حال من الأحوال، أمريكا هي نموذج واضح للدولة التي لها رؤية مسبقة وبعيدة المدى؛ حيث تعمل بخطة محددة لتحقيق أهدافها، وهو ما فعلته في مسألة النفط، حيث إنها تنتوي منذ فترة طويلة الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط، وأنا أحترم هذا فيها، وبكل معايير المصلحة والاقتصاد لم تخطئ أمريكا في شيء.

أما روسيا فهي تعتبر من أكبر المنتجين في العالم؛ حيث وصل إنتاجها النفطي إلى أكثر من 10 مليون برميل يوميا، وهو الأعلى منذ الحقبة السوفيتية.

وإيران تعد نفسها لزيادة الإنتاج بحوالي 500- 700 ألف برميل يوميا، خاصة بعد عقد الاتفاق النووي الإيراني ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. فطوال الفترة الماضية كانت إيران تنتج فقط 2 مليون برميل يوميا؛ بسبب العقوبات المفروضة عليها، ولكن بعد الاتفاق النووي أصبح من حقها زيادة الإنتاج، وقد أعلنتها إيران صراحة بلا خجل أنها تنتوي استعادة حصتها النفطية التي سيطرت عليها دول الأوبك.

وفي تصريح حديث جدا، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية “سعر النفط يقبع عند مستوى منخفض … لا أظن أن ذلك سيدوم طويلا … فالضغوط على الدول المنتجة للنفط تنبئ باستعادة التوازن في الأمد القريب” ما يؤكد أن الرئيس الإيراني ليس قلقا.

وختام الذكر تأتي المملكة العربية السعودية رغم أحقيتها أن تأتي في البداية، فقد تعلمت السعودية من درس الماضي الذي حدث في عام 2008 عندما انخفضت أسعار النفط فهّمت السعودية بإنقاذ الموقف، فخفضت من إنتاجها النفطي، وكان ذلك على حساب حصتها النفطية في السوق؛ لأن باقي المنتجين لم يخفضوا إنتاجهم. ولذا فما حدث اليوم جعل السعودية مصممة على الاحتفاظ بحصتها النفطية، وأعلنت بقوة أنها لا تعتزم خفض الإنتاج ما لم يفعل باقي المنتجين، حتى لو وصل السعر إلى10 دولار للبرميل الواحد.

إذن فالقضية هي قضية اقتصادية من الدرجة الأولى؛ حيث ظروف الطلب والعرض التي تحكم السوق، فعلى مستوى العرض هناك تخمة غير مسبوقة في المعروض النفطي؛ حيث إنتاج أمريكا للنفط الصخري وزيادة إنتاج أوبك اليومي بدلا من 30 مليون برميل يوميا إلى 31.5 مليون برميل يوميا وزيادة إنتاج العراق النفطي، وإيران تأتي في الطريق.

وعلى مستوى الطلب، فهناك ركود في الاقتصاد العالمي، وخاصة الاقتصاد الصيني الذي يعتبر من أكبر مستهلكي النفط، وبالتالي انخفاض الطلب العالمي على النفط.

إذن تعتبر كفة الميزان غير مضبوطة، فبعد أن كان يحدثنا الأساتذة في الكلية عن سعر التوازن الذي يتحقق بتقاطع قوى الطلب مع العرض والتساوي بينهما، أصبح هناك اختلال صارخ في قوى الطلب والعرض مما يتسبب في انخفاض الأسعار وانهيارها.

وعن ردود الأفعال، صرحت الكويت منذ فترة أن سوق النفط قادر على التوازن بنفسه، وأن الوضع سوف يتحسن، وأن الأسعار ستعود للارتفاع مرة أخرى بشكل تلقائي، وهو ما أرفضه كليا، فإن كانت الكويت تعتقد في أفكار آدم سميث بأن اليد الخفية سوف تعيد التوازن إلى السوق، فالأفضل أن تخفض إنتاجها؛ استجابةً لمنطق العرض والطلب.

وربما تكون دول الأوبك والسعودية محقة في موقفها من عدم تخفيض الإنتاج؛ حتى لا يكون ذلك على حساب حصتها، ولصالح المنتجين من خارج أوبك مثل روسيا، ولكن الوضع الراهن غير مقبول بالمرة.

الحل بسيط جدا؛ تخفيض الإنتاج النفطي من قبل كل المنتجين سواء داخل أو خارج الأوبك. أظن أن الاتفاق بين هذه القوى المتصارعة يكاد يكون شبه مستحيل، خاصة وأن كل واحدة لا تفكر سوى في الاحتفاظ بحصتها السوقية، والبقاء للأقوى كما في عالم الغابة، فالمنتصر هو من سيتحمل انخفاض السعر لفترة أطول، فمن سيتحمل؟ أهي السعودية ودول الأوبك أم روسيا؟

لا أظن أن الأوبك ستتحمل أكثر؛ فبحسب البيانات التي أوردها تقرير “ويرلد إيكونومكس أوت لوك”، فإن الناتج الإجمالي للدول الأعضاء في “أوبك”، انخفض من 3.392 ترليونات دولار في عام 2014 إلى 2.849 ترليون دولار في نهاية العام الماضي 2015. وهو ما يعني أن اقتصادات الأوبك خسرت خلال العام الماضي فقط نحو 543 مليار دولار من ناتجها الإجمالي، وهذا يكفي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست