يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” (المائدة: 8).

الإسلام دعوى إلى إعمار الأرض وإرساء قواعد العدل والحرية وصيانة الكرامة الإنسانية؛ لتحقيق رسالة الإنسان المستخلف المؤتمن عند الله عز وجلّ. ويعتبر القرآن الكريم المصدر الأول من مصادر الشريعة الإسلامية، لذلك فقد جعله الله سبحانه وتعالى في أعلى درجات البيان، وحفظه من الزيادة والنقصان، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

فالقرآن ثابت بنصه لا يتبدل ولا يتغير قط؛ لأنه يجسد مبادئ وقيم ومفاهيم كلية علمية إنسانية لكل الناس، لا تنسخ إلى يوم القيامة، فهي ثابتة ودائمة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.

وبناء عليه فإن خير ما يستند إليه المرء لمعرفة مدى حرية العقيدة في الإسلام، أو لتحديد موقف الإسلام من أي موضوع من موضوعات الحياة أو الكون، واكتشاف النظريات التي تعالج هذا الموضوع، هو القرآن نفسه وليس ما دونه. وذلك من خلال التفسير الموضوعي الذي يستنطق نصوص القرآن التي تتناول هذا الموضوع، ويتوغل في أعماق هذه النصوص، والذي يهتدي بالعقل كأساس من أسس تفسير وفهم كتاب الله سبحانه وتعالى، في ضوء المبادئ والقيم العليا الحاكمة في القرآن. على أن تظل القيم والمبادئ القرآنية هي المقياس الذي نقيس من خلاله موقف الإسلام من القضية المطروحة. والاحتكام للقرآن فريضة منصوص عليها، فقدأمر الله خاتم المرسلين(ص) وأمرنا بالاحتكام للقرآن الكريم، حيث قال تعالى:

“أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً” (الأنعام: 114)

والاحتكام إلى الله هو الاحتكام للقوانين والسنن الإلهية المضبوطة، التي لا تبديل لها ولا تحويل، والتي عبرعنها القرآن أصدق تعبير.

ومن ذلك فإنه لا يجوز الاستناد إلى روايات ظنية لا مجال للتحقق من صدق ما ورد بها تاريخياً، أو الادعاء بحديث منسوب إلى النبي الكريم (ص) يكون مختلفاً أو متعارضاً تعارضاً جذرياً مع النص القرآني وما يجسده من قيم ومبادئ، وإلا كان هذا الادعاء كاذباً. حيث إن القرآن هو المرجعية الضابطة لما ورد بكتب الحديث، أو اجتهاد الفقهاء. فالاختلاف والتعارض كله منفي عن القرآن لأنه من عند الله سبحانه وتعالى.

“أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (النساء: 82).

والقرآن الكريم يقوم على حرية العقيدة المطلقة، وهو ما تناولته العديد من الأبحاث والدراسات الإسلامية التي تناولت هذا الموضوع. فالآيات القرآنية تؤكد بوضوح على حرية العقيدة، وتدل على ذلك دلالة قاطعة لا يداخلها شك، لتكون حجة دامغة أمام المنكرين أو المشككين أو الطاعنين.

ومن أمثلة ذلك ما يلي:

“لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (البقرة: 256).

“وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ…” (الكهف: 29).

“إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا” (الانسان: 29).

“قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي. فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ…” (الزمر: 14، 15).

“قلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ. وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ” (الكافرون).

“وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ” (الأنعام: 35).

“وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ” (الأنعام: 66).

“قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ” (الأنعام: 104).

“وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ” (الأنعام: 107).

“قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ” (الأنعام: 149).

“وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ” (يونس: 99).

“قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ” (يونس: 108).

“فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ. لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ” (الغاشية: 21، 22).

“رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً” (الإسراء: 54).

“… وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ” (البقرة: 108).

“وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة: 217).

“إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً” (النساء: 137).

“أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا” (الفرقان: 43).

“يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ…” (المائدة: 41).

“… وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (المائدة: 48).

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ…” (المائدة: 54).

“إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ” (آل عمران: 90).

“وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ” (ال عمران: 144).

“وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ” (هود: 118).

“وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ” (النحل: 9).

“وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (النحل: 93).

“وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا …” (السجدة: 13).

“وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً …” (الشورى: 8).

“وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ” (إبراهيم: 8).

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”(الحجرات: 13).

“وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ” (التوبة: 6).

هذه الآيات الكريمة وغيرها من آيات القرآن الكريم واضحة في حرية العقيدة الدينية في الإسلام، من حيث الدخول في الإيمان أوالخروج منه دون إكراه. فحرية العقيدة أصل من أصول الدين، والنص القرآني مُحْكم وواضح وصريح في هذا الشأن، فلا وجود لعقوبة ردة في الحياة الدنيا.

ومن ثم فإن الادعاء بقتل ما يسمى بالمرتد عن دين الإسلام، ونسبة ذلك إلى الرسول (ص) هو موضع شك كبير أمام نصوص القرآن الكريم القطعية الثبوت والدلالة. فالغلبة للحق، والحق أحق بأن يتبع، وهو ما يؤكده القرآن الكريم نفسه:

“وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ” (يونس: 36).

ونخلص مما سبق، بإن حد الردة ليس من الإسلام في شيء، وأن هذا الحد قداخترعفي تاريخ لاحق على رحيل الرسول (ص)، في إطار الصراعات الدينية والفكرية ذات الصبغة السياسية،والمزج بين الإكراه الديني والتسلط السياسي، ليكون أداة قمع شرعية يتم من خلالها إرهاب الخصوم والتنكيل بهم، وإلصق ذلك ظلماً وعدواناً بالرسول (ص)، الذي أرسله الله نذيراً ورحمة للعالمين إلى قيام الساعة:

“وَمَاأَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” (الأنبياء: 107).

أي الرحمة العامة الشاملة للعالم أجمع بكل فئاته وأجناسه ومخلوقاته، والتي تعارض كل تصرف يتناقض مع كمال رحمته سبحانه وتعالى، بكل صورها ومظاهرها في كل ميادين الحياة.

وبناء على ما تقدم فقد أجاز القرآن الكريم حرية العقيدة بصورة واضحة من جانبين:

حرية إرادة غير المسلم في أن يبقى على دينه وأن لا يدخل (الإسلام). وإذا دخل الإسلام، فله أيضا حرية الإرادة بتركه، واتباع أي عقيدة شاء وقتما شاء والتراجع عنها وقتما شاء، ولا عقوبة دنيوية عليه.فحرية العقيدة لا تتجزأ، وهي أصل من أصول الدين، ومصدرها الحق نفسه وفقاً لنص القرآن.

أما الحساب والعقاب على ذلك هما لله سبحانه وتعالى وليس لغيره من بني البشر، فاعتناق الدين بالجبر والإكراه لا يولّد ولا ينتج إلا نفاقاً.

ومن ناحية أخرى، نهى الإسلام عن كل قول سيئ يؤدي إلى ذكر شيء من المقدسات الدينية بالسوء بأي وجه أذى، بما في ذلك آلهة المشركين؛ كي تصان مقدسات المجتمع الديني وتقي ساحتها من أن تتلوث بدرن الإهانة والازدراء الذي قد يطال الذات الإلهية.

“وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ” (الأنعام: 108).

بل وصل الأمر إلى حد أن يعطي الإسلام المستهزئ بالدين الحرية في استهزائه بآيات الله، وكان المطلوب من المؤمنين فقط عدم مجالستهم، حتى ينتهوا من استهزائهم:

“وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” (الأنعام: 68).

“وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً” (النساء: 140).

والحقيقة أن ما جاء به سيدنا محمد (ص) من حيث حرية العقيدة، لا يختلف عما جاء به الأنبياء الذين سبقوه ـ عليهم السلام ـ جميعاً، فالديانات السماوية هي من عند الله، ولا فرق فيها بين ديانة وأخرى.

وقد جمعها الله تحت مظلة المحبة والسلام والتعاون والتكامل، تحت مسمى الكلمة السواء، لترسيخ الإيمان بالله والعمل الصالح من أجل الارتقاء بالإنسان وخدمة الإنسانية:

“قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” (آلعمران: 64).

فالإسلام لم يأت ليلغي ويبطل، بل جاء ليتمم ويكمل ما جاءت به الديانات السابقة عليه، التي من أجلها بعث الله الرسل والأنبياء الذين ختموا بمحمد(ص)، وبالقرآن الكريم الذي جاء مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، ليظهره وينشره على العالمين:

“وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (المائدة: 48).

“إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا” (النساء: 163).

“شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ” (الشورى: 13).

“إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة: 62).

“إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ” (المائدة: 69).

فالله سبحانه وتعالى هو رب العالمين، الذي يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

ومَن تتبَّع نصوص القرآن الكريم، والسنَّة المطهرة، نعلم أن الله أمر عباده بالدعوة للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، أي باستخدام أفضل السبل وأحسن الأعمال للتعبير عن أنفسهم ومناقشة الأفكار وتفنيدها، مع ترك النتائج للقناعات دون إهمال أو تعد على الآخرين، تقريراً وتأكيداً للرحمة والخير والسلام، ولإيضاح أن الإسلام إنما جاء بالإصلاح لا بالإفساد. وبذلك تحددت علاقة المسلم بسائر الناس على ضوء قواعد ربّانية فصلها منهاجا لله على نحو لا يقبل الجدل:

“ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” (النحل: 125).

هذا هو القرآن تبياناً لكل شيء لم يضع أية عقوبة دنيوية على المرتد، فحق المرء اعتناق أي عقيدة شاء وقتما شاء، والتراجع عنها وقتما شاء، ولا يوجد أي نص في القرآن يأمر بقتل المرتد. فإذا كان “لا إكراه في الدين”، فكيف يجوز الإكراه على البقاء فيه.

وبالتالي فإنه لا يمكن أن يقر القرآن الكريم حرية الاختيار ثم يعاقب بتلك العقوبة الصارمة على من مارس تلك الحرية دون أن يعتدي على أحد سواه أو يرتكب أية جريمة أخرى مصاحبة، فالإنسان لا يمنح الحق في الحرية والحياة لكي يأخذه أو يسلبه من أحد دون وجه حق.

فالإنسان المكرم المستخلف المؤتمن أكبر عند الله وأعز من أن يكلف ويسلب منه حق الاختيار، بل إن جوهر الأمانة التي حملها الإنسان، والتي استحق بها القيام بمهمة الاستخلاف إنما يقوم على حرية الاختيار التامة الكاملة، لأن ذلك أوفى بإقامة مراد الله تعالى من مساعي البشر في هذه الحياة الدنيا، من أجل قيام المجتمعات وازدهار الحضارات، وهذا هو موضوع الإسلام ومناط رسالته.

والله تعالى خبير بما نفعل وشاهد عليه

والحمد لله على نعمة الإسلام

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست