احتلت دوما أماكن العبادة، سواء قبل أو بعد الإسلام مكانة مميزة, وحدث ذلك عن طريق استخدام طرز أو أساليب تمنح لتلك الأماكن العظمة والجلال, كما نرى فى الممرات الطويلة, الأعمدة الضخمة والحجرات السرية المظلمة والتي كانت جزء لا يتجزأ من عمارة تلك الأماكن, بالإضافة إلى ضخامتها وحجمها الهائل الذي يبعث بالرهبة فى النفس, فكان الهدف أصلا من تشكيل تلك العمارة هو أن يمتلئ زائرها بالرهبة, وأن يشعر بأنه بداخل مكان عظيم سيقف فيه أمام إلهه. على النقيض أتت عمارة المساجد بسيطة بدون أي تكلف أو أي عناصر تؤدي إلى الرهبة, وهذا نراه بوضوح فى المسجد الأول في الإسلام، وهو المسجد النبوي في المدينة, وهذا يوضح بصفاء طبيعة الإسلام كدين لا يقبل أية وساطة أبدا بين المرء وربه حتى لو كان مجرد طرز معماري!

وعندما نعاين المساجد لابد أن نضع في اعتبارنا أن مكانة المسجد في الوعي الجمعي للمسلمين هي مكان مقدس يذهبون إليه؛ طالبين للراحة النفسية والسلام الداخلي, أي أنه وسيلة انتقال من الحياة الممتلئة بالهموم إلى الطموح نحو الآخرة والإله, ونلحظ مدى أهمية المسجد حين سبق النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بناء مسجده قبل حتى بناء سكنه, لذا من الطبيعي أن المسجد لديه مكانة كبيرة في قلوب المجتمع الإسلامي.

كان المسجد النبوي الأول صاحب عمارة بسيطة جدا, استخدمت فيها المواد المتاحة حينذاك في المدينة, فحوائطه بنيت من الطوب اللبن, وأعمدته بنيت من جذوع النخل وأسقفه من سعف النخل, حتى إنه في البداية كانت تستخدم طرقا بدائية جدا لإضاءة المسجد كحرق بعض المواد لإيجاد الضوء من النار, ولكن لاحقا اقترح أحد الصحابة أن تستخدم القناديل بدلا من ذلك وأقر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه الفكرة موضحا أن نبي الإسلام يشجع أي عنصر معماري جديد قد يضيف قيمة أو يسهل وظيفة متاحة بالفعل, لنحتفظ بتلك النقطة في عقولنا الآن، وسنعود إليها لاحقا.

( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ والآَصَالِ ) سورة النور.

أسس وشروط بناء المساجد:

مسجد1

عند نظرنا إلى الآيات القرآنية والأحاديث بوجه عام نجد أن الله لا يحب المسرفين, وهذا يعطينا نقطة بداية جيدة لنفحص أسس بناء المساجد، ومن المذكور أن سقف المسجد، كالمسجد النبوي، كان مؤسسا من جذوع النخل, وعندما أمر سيدنا عمر بإعادة بناء المسجد قال: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا، وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى.

وإذا أردنا النظر إلى وجهة النظر الشرعية في موضوع تزيين المساجد وزخرفتها فأحب أن أنقل نصا الأدلة المذكورة في هذا الموضوع والتي نقلتها عن موقع إسلام ويب في الفتوى المعنونة بـ “حكم زخرفة المساجد”

بناء القبب والمآذن:

مسجد2

لا يوجد مانع من بناء قبة على سطح المسجد إذا كانت لغرض الإضاءة أو التهوية, أو بناء منارة حتى يصل صوت المؤذن لأبعد صوت ممكن أو لكي يُرى المسجد ويميز من على مسافة بعيدة حتى يأتي المصلون إليه, أي تقدم هنا الوظيفة لخدمةغرض ما وبدون إسراف, وبذكر المنارات, فيكفي بناؤها بشكل مستقيم طويل بدون أية زخرفة أو تزيين, وكما تم ذكره, فإن بناء مسجد بدون منارة ليس فيه أي حرج من وجهة النظر الشرعية, بل إن البعض يعترض على بناء المنارات؛ حيث يعتبرها نوعا من إسراف المال, والآخرون يردون بأن المنارة أو المئذنة أصبحت رمزا تعرف به المساجد بين المباني الأخرى التي تحجب الرؤية من مسافة بعيدة, فالمنارة تجعل الناس يشعرون أن المسلمين ما زالوا يقفون في وجه التحديات التي يواجهونها دوما على حد قول بعضهم.

فقد ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ زَخْرَفَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ نَقْشٍ، أَوْ صَبْغٍ، أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلاتِهِ, لما أخرجه ابن حبان في صحيحه وأبو داود وابن ماجة في سننه ما عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ” قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.

وَالتَّشْيِيدُ: الطِّلاءُ بِالشِّيدِ أَيْ الْجِصِّ. ولفظ ابن ماجة: “أَرَاكُمْ سَتُشَرِّفُونَ مَسَاجِدَكُمْ بَعْدِي، كَمَاشَرَّفَتْ الْيَهُودُ كَنَائِسَهَا، وَكَمَا شَرَّفَتْ النَّصَارَى بِيَعَهَا”.

وقد ذكر الإمام عن أنس رضي الله عنه فقال: (بَاب بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ كَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنْ الْمَطَرِ وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ، وَقَالَ أَنَسٌ: يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لا يَعْمُرُونَهَا إِلا قَلِيلا، وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى).

عن أَنَسٍ ـ رضي الله عنه ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صلى اللهع ليه وسلم ـ قَالَ: “لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ”.

وَيروى عن جمع من الصحابة أنهم كانوا يقولون: إذَا حَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ وَزَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ فَالدَّمارُ عَلَيْكُمْ” .

وقد نقلت كراهة ذلك أيضا عن الأئمة مثل: مالك وأحمد وغيرهما، ففي المدونة قُلْتُ: أَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَه أَنْ يَكُونَ فِي الْقِبْلَةِ مَثَلُ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي كُتِبَ فِي مَسْجِدِكُمْ بِالْفُسْطَاطِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَذَكَرَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَمَا عُمِلَ فِيهِ مِنْ التَّزْوِيقِ فِي قِبْلَتِهِ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ: كَرِهَ ذَلِكَ النَّاسُ حِينَ فَعَلُوهُ وَذَلِكَ لأَنَّهُ يَشْغَلُ النَّاسَ فِي صَلَاتِهِمْ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيُلْهِيهِمْ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلافَةَ أَرَادَ نَزْعَهُ. فَقِيلَ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ لا يُخْرِجُ كَبِيرَ شَيْءٍ مِنْ الذَّهَبِ فَتَرَكَهُ”.

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ الْحَنَابِلَةُ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ زَخْرَفَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَتَجِبُ إزَالَتُهُ كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ؛ لأَنَّهُ إسْرَافٌ، وَيُفْضِي إلَى كَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.

وقال ابن الحاجب في المدخل عند ذكره لما يجب تغييره من المنكرات (وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الزَّخْرَفَةِ فِي الْمِحْرَابِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ وَهُوَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ).

وقد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ زَخْرَفَةُ الْمَسْجِدِ أَوْ نَقْشُهُ مِنْ مَال الْوَقْفِ، وَأَنَّ الْفَاعِلَ يَضْمَنُ ذَلِكَ وَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلا مَصْلَحَةَ فِيهِ وَلَيْسَ بِبِنَاءٍ.

وبناء على ما تقدم فإن زخرفة المساجد بالنقوش المزركشة والأصباغ المختلفة وتحليتها بالذهب والفضة وكتابة الآيات القرآنية والأقوال المأثورة على جدرانها مكروهة إن لم تكن محرمة، وخاصة إذا كانت تفضي إلى انشغال المصلين بها.

التخطيط وتعليق الآيات القرآنية على الحوائط:

وضحت منذ قليل أن تلك الزخارف أو الآيات المكتوبة على الحوائط تشتت ذهن المصلي عن ذكر الله في الكثير من الأحيان وتساعد على تضييع التركيز على الهدف الرئيسي للمكان, لهذا كان على المسلم أن يتجنب وضع المشتتات حتى يظل أقرب إلى ذكر الله والخشوع.

والجدير بالذكر أن المساجد الأولى بالإسلام لم تحتو على أي شيء من ذلك، وإنما قيل إن السلاجقة أو العثمانيين هم أول من أدخلوا كتابة الآيات على حوائط المساجد, حيث لا أصل لذلك في تعاليم الإسلام التي حذرت من تزيين المساجد، بل إن ما قد يثير دهشتك أيضا أنه ليس مستحبا أن يتم الصلاة على فرش بها تزيينات أو زخرفة؛ لأنها تساعد على التقليل من تركيز المصلي وجميعنا قد يعرف حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما طلب من السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن تبدل له قميصه المخطط لأنه ألهاه عن صلاته!

في المقال القادم بإذن الله نناقش التطور التاريخي لعمارة المساجد ونقترب نحو مفهوم المساجد الحديثة لنعاينه عن قرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست