لاشك أن الواقع السوري أصبح أكثر إيلاما في بعض المناطق التي يشتد عليها الحصار والخناق، وظلمها ذوو القربى قبل أن يقصفها الغريب بطائراته الحديثة.

مضايا البلدة التي يأكل سكانها حشائش الأرض بسبب ندرة الطعام والحصار، ويموت أطفالها جوعًا عرت الواقع ومعه السياسات العربية وتعاطيها مع الملف السوري كما أسقطت ورقة التوت عن المتناحرين في سوريا وكل القوى التي تدّعي أنها تملك مفتاحًا للملف.

ولا يختلف اثنان ولاينتطح عنزان، كما تقول العرب، على أن جل المتناحرين على الأرض السورية هم مسلمون ينتمون إلى منظومة واحدة، الأمر الذي يطرح سؤالًا حارقًا، لماذا كل هذا التشردم؟

بالعودة إلى الماضي البعيد للإسلام السياسي فإن القتل والتقتيل ليس بجديد فقد شهدت الدولة الأموية،وهي دولة عربية خالصة، معارك كثيرة، وعرفت الدولة العباسية مقتل حوالي 600 ألف مسلم، وهو عدد ليس بالهين إذا ما علمنا أن من أهم الكليات الخمس التي يدعو الدين الإسلامي الحنيف إلى حفظها هي النفس، وهي صراعات في غالبها كانت من أجل التنازع على السلطة سواء بين أفراد العائلة الواحدة بين بني عم الخليفة وأصهاره أو بين جماعات متفرقة خرجت على الخليفة فسميت خوارج.

ستبقى بلدة مضايا التي دفعت الأزمة سكانها البالغ عددهم 40 ألف نسمة، إلى أكل الحشائش وشرب الماء المملح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، شاهدة على تردي الوضع القيمي للإنسان العربي المعاصر، كما سيبقى موت العشرات جوعًا في القرن الواحد والعشرين والذي نقلته عدسات الكاميرات قبل أسابيع قليلة وصمة عار على جبين المسلمين والعرب على وجه الخصوص، على اعتبار أن شعراءهم تغنوا طيلة قرون بالكرم وإقراء الضيف، وهي صفات عربية قائمة منذ الجاهلية لكن ما يحصل في مضايا وضع رأس العرب في الطين مع الأسف وحول كل أشعارهم عن الكرم والشجاعة والفخر إلى تخاريف.

فالمنطقة العربية التي شهدت انتفاضات في 2011 ضد أنظمة استبدادية أطلق عليها البعض ربيعًا تحولت إلى خريف دامٍ، في العراق واليمن وليبيا وسوريا.

المشهد السوري الذي كان أكثر قتامة نظرًا لكثرة الضحايا والمهجرين الذين بلغو الملايين منذ مؤتمرات جنيف 1 إلى جنيف 3 التي تنطلق هذا الشهر دون أن تحمل في طياتها حلًّا جذريًّا للأزمة السورية.

النزاع المسلح في سوريا يغذيه الصراع الطائفي الذي تؤججه ترسانة إعلامية تشعل فتيل الأزمات ولا يهمها وضع السوريين، بقدر ما يهمها أن تشبع غرور الحقيقة التي يدعي الكل أنه يمتلكها، فكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك، كما قال الشاعر العربي ذات قصيدة، في حين أطفال سوريا يعانون الأمرّين ويموتون جوعًا في معضمية الشام ومضايا والزبداني ومناطق أخرى تشردت بسبب الصراع على السلطة أيضًا.

مضايا وأخواتها ستسائل ماضي العرب كما ستسائل حاضرهم المليء بالصراعات والارتجالات السياسية، والتشردم القاتل الذي أوصلهم إليه غباء السياسيين وأحلام المتطرفين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست