الفقراء المتعبون، لا تراهم يضحكون كثيرًا، ففي الأوقات القليلة التي لا يكدحون فيها لسد رمقهم، يكونون غارقين في نوم عميق، فالسهر على أنغام الموسيقى وضوء الشموع، ترف لأولئك المنتمين لعالم الـ VIP فهم القادرون عليه الذين يحضرون المنتديات والمؤتمرات، من يرسمون سياسة العالم الاقتصادية ويحددون خارطته حسب أهوائهم ومصالحهم، أما هؤلاء الفقراء فلا مكان لهم على مائدة السادة؛ فلا أحد يريد أن يسمع صوت صريخ جوعهم أو مرضهم، فهم تظهر صورهم فقط من أجل الحصول على شرعية لمشروعاتهم.

دافوس منظمة غير حكومية أحد المسميات العالمية التي تظهر بين حين وآخر مؤسسات ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب.
دافوس منظمة لا تهدف للربح مقرها جنيف بسويسرا أسسها أستاذ في علم الاقتصاد كلاوس شواب في 1971، يعتبر هذا المنتدى بمثابة المساحة تلاقى النخب من 1000 من ممثلي الشركات المتعددة الجنسيات الكبرى من أمثال (نستلة- نيكي- ميكروسوفت- بكتل- شل- جنرال موتورز- ديملر بنز- يوني ليفر- أنتل- أمريكان بنك- جنرال إلكتريك- فولكس فاجن)والقادة السياسيين والاقتصاديين بهدف النقاش في المشكلات الاقتصادية والسياسية التي تواجه العالم وكيفية حلولها، حيث يتم وضع مسودات لخطط ومشاريع اقتصادية مشتركة.

هذا إلى جانب دوره التعبوي لسياسات النيوليبرالية للبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية والتي تستهدف بالأساس خصخصة الخدمات الأساسية وتحرير السوق وخلق مناخ يسمح بالاستثمار بما يتطلبه ذلك من إصلاحات سياسية (أي أنه لا مكان للفقراء بخططهم فهي مشاريع تزيد الأغنياء غنى وتزيد الفقراء فقرًا)

وإذا علمنا أن الشركات متعددة الجنسيات هي من تدير العالم من خلال حكوماته، ومثال على ذلك أنه لا يوجد قسم واحد أو وكاله في الحكومة الأمريكية لا يدار إلا من الخارج بواسطة تلك الشركات حيث يضعون المديرين التنفيذيين في مناصب هامة بالحكومة يمولون أعضاء الكونجرس بأموالهم.

فهناك 35 ألف عضو لوبي يعمل بدوام كامل في واشنطن لضمان خدمة تلك الشركات وإذا عرفنا أن في انتخابات 2012 صرفت تلك الشركات 130 مليون دولار على المرشحين السياسيين لحماية مصالحها.
وأن بنكـًا مثل ستي جروب على سبيل المثال وضع حرفيًا مسودة قانونين سلمها للكونجرس لكي يتم تمريرها من قبل الكونجرس بدون أي تغير، وقد تمت الموافقة على القانون دون تغيير حرف منه، إن الكيانات الاقتصادية الأكبر في العالم هي شركات وليست حكومات، بل هي شركات تدير الحكومات.

لذا يجب أن تكون لنا وقفه؛ حيث إن قرارات هذه المؤتمرات تعد بمثابة أمر واجب النفاذ للحكومات، وليست مجرد توصيات؛ لهذا كان لابد أن نهتم بما يحاك لنا من هذا المؤتمر المنعقد حاليًا؛ لأن أوراقه تخصنا نحن بالمقام الأول؛ حيث تتضمن (الثورة الصناعية الرابعة – الهجرة – إعادة تنظيم العالم “شرق أوسط جديد”) وأهم ما سيناقشه المؤتمر هو تدهور أسعار النفط التي تراجعت إلى أدنى مستوى منذ عام 2003، وتزايدت المخاوف من تخمة المعروض النفطي بعدما قالت وكالة الطاقة الدولية إن التخمة مستمرة حتى أواخر عام 2016 على الأقل، متوقعة أن تهبط الأسعار عن مستوياتها الحالية.

هذا ما تم الإعلان عنه ولكن بتحليل بسيط نجد أن انخفاض سعر النفط هو عمل مقصود من الدول الصناعية الكبرى خاصة أمريكا، لإنقاذ اقتصادها حيث إن هذه الدول وصلت لقمة المنحنى الاقتصادي أي مرحلة التشبع، فصار هناك مرحلة من الكساد العالمي لا يستطيعون الخروج منها، والدليل على صحة ذلك ما أعلنته بكين، عن تراجع معدل النمو إلى 6.9% في عام 2015 وهو أدنى مستوى تسجله منذ 25 سنة، وتنبع أهمية الاقتصاد الصيني من حيث تباطؤه وتراجع اقتصادات الدول الناشئة، يؤثران على زيادة إجمالي الناتج العالمي.

وبوجه عام، فإن الاقتصاد العالمي مهدد بالتراجع، الأمر الذي يلقي بظلاله على الأسواق المالية التي تشهد فترة تقلبات كبيرة، وكذلك على أسعار النفط والمواد الأولية التي تسجل أدنى مستوياتها، وليس هناك سبيل للهروب من هذه اللازمة الاقتصادية الخانقة إلا عن طريق توزيع جديد لثروات العالم؛ وذلك من خلال افتعال حرب، وطبقـًا للواقع القائم فإن اشتعال حرب عالمية يعتبر أمرًا مستبعدًا، لكن افتعال حروب إقليمية مثل حرب الخليج الأولى والثانية والثالثة أمر وارد، خصوصًا أن الشواهد تشير إلى أن سيناريو حرب الخليج الرابعة يتم إعداد مسرحه على قدم وساق من خلال الملف النووي الإيراني، والحرب في سوريا، وإذا عدنا إلى حروب الخليج الثلاث السابقة، نجد أن كل واحدة منها قد استنزف آلاف المليارات من احتياطيات دول الخليج وربما أربكتها الديون، فالعقول الدموية التي تدير المشهد لصالح الشركات الاحتكارية والمجمعات الصناعية الحربية واللوبيات المتطرفة لا تألو جهدًا في وضع سيناريوهات تدر الربح على تلك الأطراف.

حتى وإن كانت وسيلتها الحرب والتدمير، يصبح مثل هذا التوجه أكثر احتمالاً إذا دخل فيه عنصر آخر وهو الحرب من أجل الحرب لإفساح المجال أمام كيان كإسرائيل للتوسع على حساب الآخرين والوصول إلى مراكز الوفرة، إن الحروب التي تفتعل حاليًا ليس الغرض منها بالضرورة الانقضاض على مناطق الوفرة واحتلالها عسكريًا إلا أن الأسلوب الجديد هو إرهاق الدول التي تملك الثروة من خلال تلك الحروب، وبالتالي تعود تلك الثروة إليهم من خلال بيع السلاح وتقديم العون وإطالة أمد الحرب والفوز بعقود إعادة الإعمار.

وتلك الحروب هي التي سترسم خارطة جديدة لتلك المنطقة عن طريق تقسيم المقسم وتشكيل شرق أوسط جديد يتناسب مع أحلام الدول الكبرى، كما أن هذه الحروب هي السبب للهجرة، فقد زادت أمواج الهجرة بشكل رئيسي من سورية، وأفغانستان، ومن القرن الأفريقي، وخلافـًا لما يزعم السياسيون في الغرب بأن القادمين يبحثون عن مستوى معيشة أوروبية، أو أشخاص هاربين من عسف أنظمة ديكتاتورية، إلا أنهم في الحقيقة بشر هاربون من المعارك، لأن بلدانهم في حرب، سببها بشكل عام السياسات الغربية.

لم يستوعب السياسيون الأوروبيون بعد أن موجات الهجرة هذه، نتيجة لاستراتيجيات الولايات المتحدة منذ 2001
واشنطن لا تسعى للهيمنة على هذه الدول، بل إلى تدميرها وفرض حالة فوضى تجعل من الصعب إعادة ترتيب أي شيء خارج إرادتها، إنها نظرية الفيلسوف “ليو شتراوس” الذي قام بتدريب العديد من المسئولين في وزارة الدفاع، غير أنه بات واضحًا للولايات المتحدة أن هذه الفوضى التي تخدم آنيًا مصالحهم لم تعد تحت السيطرة.

وبرغم اختلاف تفاسير بعضهم لما يسمى بشرق أوسط جديد ونظام عالمي جديد قد يؤدي إلى الفوضى أو إنشاء وحدة عالمية تنصهر فيها الدول تحت شعار حكومة واحدة وحاكم وحيد، مخطط وضع منذ القدم وكأننا كشعوب عربية مسلمة صرنا ألعوبة لا قيمة لنا أمام رغبات وأماني الدول الكبرى، وهذا بمباركة حكام خونة لا يعنيهم سوى عروشهم، فالنظام العالمي الجديد يقبع فوق رؤوسنا مثل غمامة من الضباب تمطر غضبها علينا، ومازالت تطالب بالمزيد من القوة والسيطرة، فعبر التاريخ سيطرت النخبة على عقول العوام من الشعوب وفقـًا لخطة دقيقة موضوعة سلفـًا.

فهناك شيء يحاك في الظلام، مخطط تشترك فيه النخبة العالمية من ساسة ورجال أعمال وغيرهم، مخطط خفي غير مصرح لك بالاقتراب منه أو معرفة تفاصيله، وكأنه شجرة محرمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست