روسيا تريد كسب الوقت وتبرمج المفاوضات على طريقة ما سمته الدعاية الروسية بالسياسة الهجينة التي اتبعتها روسيا في القرم، وكان فيها حسب المروجين عبقرية بوتينية وابتكار: عمل سياسي تحضيري ذكي، وفعل عسكري محسوب، وجني للثمار في الوقت المناسب، وبهذا الترويج يحاول بوتين أن يخرج من صفة الرعونة وصفات الدب الروسي الذي كلما قام ليرقص ويلعب لعبة السياسة كسّر وتعثر وبعثر. وفي الملف السوري يحاول بوتين أن يرتب بالسياسة الهجينة المتذاكية مفاوضات سياسية مديدة لكسب الوقت، ولإتاحة الوقت لحسم عسكري في المناطق الإستراتيجية الرئيسية على الأرض يكون بعده تثبيت للأمر الواقع وفرض لشروط استسلام على الثوار بشكل مفاوضات ومخرجات انتقالية لا يتزحزح فيها نظام بشار الأسد.

لم يستطع مراقب أو محلل سياسي واحد إلى الآن أن يرى بصيصَ ضوء خافتًا في نهاية نفق المفاوضات المسدود… حل تفاوضي سياسي يريده الروس مسدودًا… مسدود حتى في فتحة البداية، فالتداول ما زال في مرحلة اختيار الوفد المعارض المفاوض والتداول في هذا الأمر يمضي بمفاوضات أخرى إضافية، فيها استعصاءات وفيها اقتراح عجيب ربما يرى فيه لافروف ذكاءً وابتكارًا من إنتاج السياسة الروسية الهجينة: أن يكون هناك وفدان للمعارضة أمام وفد النظام… وبعبارة أدق أن يكون هناك وفدان للنظام أمام وفد المعارضة… وفد يختاره بشار ووفد اختاره الروس هو أقرب للنظام منه إلى المعارضة، ووفد للمعارضة  وجولات مكوكية بين الوفود يقوم بها فريق عدائين أمميين برئاسة ديمستورا… وستمضي شهور وشهور في هذه المفاوضات إن بدأت لإتاحة الوقت الكافي للحصار والتجويع والقصف والتشريد، مع اجتياحات برية مخطط لها منشودة في كل الأماكن الحيوية على الأرض السورية.

وقائمة المفاوضين التي تريدها روسيا في المفاوضات المقبلة قائمة فريدة مميزة, بين أفرادها مشتركات قوية تجعل منهم فريقًا روسيًا متجانسًا متماسكًا متفاهمًا..

أغلبهم شيوعيون مخضرمون من بقايا الشيوعية السورية… من متصدري القائمة ماركسيون لينينيون فيهم أقطاب من الحزب الشيوعي السوري، وحزب العمل الشيوعي، والحزب الشيوعي – المكتب السياسي – واللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين، ورابطة العمل الشيوعي، ومنهم شيوعيون وقياديون بآن واحد في أحزاب قومية كردية..

ويترأس القائمة الروسية الرفيق قدري جميل، ويبدو أنه الشخص الذي يترأس الثقة الروسية فهو الذي يثق به الروس مئة بالمئة، وهو موال عتيق لروسيا ووسيط ذهبي في تجارة وتصريف الأسلحة الروسية، وهو مخضرم عاش واعتاش من العصرين السوفييتي وما بعده، وهو صديق حميم لكل أعضاء الكرملين… صديق دائم مضياف لوزير الدفاع شويغو ولوزير الخارجية لافروف، ولكل نوابه بغدانوف وغاتيلوف وريابكوف، وولي حميم لعشرات المسؤولين الروس الآخرين… وهو يقيم لهم دائما ولائم غنية بالبهجة والحياة في بنائه الجميل في ضواحي موسكو، مما أغضب زوغانوف زعيم الحزب الشيوعي الروسي الذي يعتبر نفسه وارثًا للاتحاد السوفييتي الكبير، ويعتبر نفسه الأولى أيديولوجيًا بحفاوة وهدايا قدري جميل… الرفيق قدري جميل الذي يحصل على  مئات الملايين من الدولارات من نسبة الثمانية بالمئة التي تصله من وساطة تجارة الأسلحة الروسية، وهناك من أشار إلى حصة ثابتة تصب من هذه النسبة في حساب بوتين بشكل أوتوماتيكي.

وقدري جميل هو الوسيط الرئيسي والعرّاب الذي نجح في إقناع بوتين بالتدخل العسكري الواسع في سورية، وسوّق قدري جميل الفكرة وتفاصيلها مع فريق الكرملين فردًا فردًا وأوصل الأمور إلى قناعة تامة وجدها بوتين تحيط به من كافة أعضاء فريقه لمّا استشارهم في الأمر… ولمّا تم التوقيع على الاتفاقية العسكرية الروسية البشارية  في شهر آب الماضي كان قدري جميل ودوره في المستقبل السوري القريب حاضرًا في الملاحق السرية للاتفاقية.

قدري جميل يكاد يصل إلى عتبة البرجوازية المعاصرة برقم المليار دولار كما ذكر بعض أصدقائه في تعليقاتهم على بعض ما نُشر عنه… وهو منغمس مع طبقة برجوازية روسية حاكمة أغلب أفرادها من ورثة الحقبة السوفييتية الشيوعية… ورثة تركوا الأفكار الاشتراكية وأفكار الصراع الطبقي وطلقوا ديكتاتورية الطبقة العاملة (البروليتاريا)، ويعوضون عن الحرمان السوفييتي بعشرات المليارات… ورئيس هذه الطبقة القيصر الروسي بوتين يختار الرفيق الشيوعي قدري جميل ليكون رجل روسيا في سوريا، واختار قدري قائمة من الشيوعيين والتقدميين والراديكاليين من الكرد والعرب والعلويين والمسيحيين، وصدّقها من الروس بانتظار أن يكون لأعضائها دورٌ لا يتوقف عند حدود التفاوض مع النظام ولا عند المرحلة الانتقالية المرسومة… إنهم الشيوعيون السوريون يعودون لدور قادم ونفوذ دائم  بأمر القيصر الروسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست